اسماعيل بن محمد القونوي
228
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( الدالة على تضمن ) أي الدالة عليه دلالة أنية وتضمن الكلام معنى الشرط يدل على كون الفاء جزائية دلالة لمية فلا دور لكن كون الفاء جزائية من أين يعلم ولا قطع فيه بل مبني على اعتبار فلإفادة الفاء الجزائية اختاره المصنف وكون العطف ظاهرا ذهب صاحب المفتاح إلى أنها عاطفة ولا يقدح اجتماعها مع واو العطف ونحوها لأنها لعطف المحذوف على ما قبله وهذه الفاء لعطف المذكور على المحذوف وجه التغاير أن مدلول الكلام ارهبوني رهبة بعد رهبة على ما قالوا أو المعنى ارهبوني رهبة عقيب والرهبة المتأخرة مغايرة بالشخص للرهبة المتقدمة وإن اتحدا نوعا وهذا التغاير كاف في العطف هذا إن اعتبر الاختصاص في الجملة الثانية وجعلت مفسرة للإثبات والنفي وإن لم يعتبر الاختصاص في الثاني مع أنه معتبر في الثاني فالتغاير واضح وما اختاره المصنف أولى لإفادة المبالغة أما أولا فلما قال هنا لأنه جعل رهبته تعالى لازمة لمطلق الرهبة وفيه من المبالغة التامة ما لا يخفى وأما ثانيا فلأنه في قوة أن يقال مهما يكن من شيء فارهبون فلا تدعوا رهبة تعالى وهذا التركيب يفيد مبالغة لا فوقها وهذا مما أفاده في قوله تعالى : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] حيث قال والفاء فيه وفيما بعده لإفادة معنى الشرط فكأنه قال وما يكن من شيء فكبر ربك فأشار إلى المعنيين في الموضعين بطريق صنعة الاحتباك وهذا المعنى أبلغ وأحسن مما ذكره هنا يعرف بالتأمل الأحرى « 1 » وبهذا اندفع ما قيل إن الفاء للعطف على الفعل المحذوف فإن أريد التعقيب الزماني أفادت طلب استمرار الرهبة في جميع الأزمنة بلا تخلل فاصل فإن أريد الرتبي كان مفادها طلب الترقي من رهبة إلى رهبة أعلى وكونه فارهبون مفسرا للمحذوف لا يقتضي اتحاده به من جميع الوجوه وأن لا يفيد معنى سوى التفسير حتى جعلها عاطفة وما اختاره صاحب المفتاح أولى لاشتماله على معنى بديع خلا عنه الجزائية انتهى . فإن ما ذكره من إفادة طلب استمرار الرهبة في جميع الأزمنة غير مسلم ومجرد الفاء التعقيبية لا يفيده إذ الفعل المثبت كان وقوعه عقيب رهبة مرة وقد صرح الأئمة بعدم عموم الفعل في المثبت بلا قرينة ولا أدوات ولو سلم ذلك فإنما يصح بانضمام القرينة الخارجية بخلاف ما اختاره المصنف فإنه يفيد طلب استمرار الرهبة في عموم الأوقات بحسب العرف أما إذا كان المعنى إن كنتم راهبين شيئا فلأن طلب رهبته تعالى جعل معلقا بمطلق الرهبة وهو دائم عرفا والمعلق به كذلك ومثل هذا يعد مستمرا كالإيمان وسائر العرفان مع خلو الإنسان عن ملاحظته في أكثر الأزمان ولو سلم عدم الدوام فلا ريب في كثرة وقوعه وأما إذا كان المعنى وما يكن من شيء فارهبون فلأنه يفيد أن طلب الرهبة لازم لوقوع شيء ما في الدنيا ووقوع شيء ما في كل زمان مجزوم به
--> ( 1 ) وقريب منه ما يقال إن مثله على حذف أما وقد يجعل الفعل مشغولا بالضمير نحو زيد فاضربه وعليه قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وينبغي أن يكون أوكد من الأوكد إذ تقديره عند المصنف مهما يكن من شيء فارهبون فتكرير التعلق تأكيد للاختصاص وتعليقه بالشرط العام الذي هو وقوع شيء ما تأكيد على تأكيد انتهى فلو اختار هنا هذا المعنى لكان في الذروة العليا في تبيين المعنى .