اسماعيل بن محمد القونوي
229
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فطلب استمرار الرهبة مقطوع به وهذا المعنى وإن لم يذكر هنا لكنه منفهم بطريق الاحتباك كما أوضحناه آنفا . قوله : ( إن كنتم راهبين ) ولما كان المراد من الرهبة مطلق الرهبة في جانب الشرط ورهبته تعالى في جانب الجزاء لم يتحد الشرط والجزاء فلا حاجة إلى جعله على حد قوله عليه السّلام فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ثم قيل إن تمام أصل الكلام إن كنتم راهبين شيئا فإياي ارهبوا ارهبون وأما قول المصنف إن كنتم راهبين شيئا فتصوير لمجرد كون الكلام متضمنا لمعنى الشرط لا لتصوير لتمام أصل الكلام انتهى فأشار هذا القائل إلى أن قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] من باب الإضمار على شريطة التفسير مثل زيدا رهبته إذ الفاء في فارهبون في نفس الأمر داخلة في الاسم وهو إياي هنا والرب في وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] وإنما زحلقت إلى الفعل ليقع الاسم موقع الشرط كما في أما زيدا فاضرب فيندفع الإشكال بأن الفاء يمنع كون ما بعده عاملا فيما قبله فلا يكون من الإضمار على شريطة التفسير لأن الفعل المشغول بالضمير لا يصلح ناصبا لهذا الاسم على تقدير التسليط لامتناع توسط الفاء بين الفعل والمفعول وبهذا ظهر وجه صحة كون اليتيم والسائل مفعولا للفعل في قوله تعالى : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [ الضحى : 9 ، 10 ] . قوله : ( والرهبة خوف معه تحرز والآية ) فيكون أخص منه واختير الرهبة هنا لأنها مبدأ السلوك وتمام الكلام في قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [ البقرة : 31 ] . قوله ( متضمنة ) في قوله تعالى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] والوعيد في إِيَّايَ فَارْهَبُونِ ولما كان الوعيد مفهوما من الأمر المذكور كأنه قيل إن لم ترهبوني بنقض العهد فأعاقبكم إذ الأمر ليس بوعيد ولهذا قال ( للوعد والوعيد ) فالتضمن بالنسبة إلى الوعيد وأما الوعد فمصرح به بقوله أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] . قوله ( دالة على وجوب الشكر ) مستفاد من قوله اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [ البقرة : 40 ] إذ الأمر للوجوب وأن المراد بالذكر الشكر ( والوفاء ) عطف على الشكر أي على وجوب الوفاء ( بالعهد ) لكن الوجوب في مراتب العهد ليس على إطلاقه بل بالنظر إلى بعض المراتب وقد مر التفصيل ( وأن المؤمن ) أي دالة على أن العبد ( ينبغي ) إذ الرهبة حصرت فيه تعالى وتخصيص المؤمن لانتفاعه بهذه الدلالة والمراد بالدلالة الالتزامية ( أن لا يخاف أحدا إلا اللّه تعالى ) . قوله : والآية متضمنة للوعد والوعيد الوعد مدلول قوله أُوفِ بِعَهْدِكُمْ والوعيد معنى قوله : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] وقوله ودالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد إذ الأمر في قوله : أَوْفُوا بِعَهْدِي [ البقرة : 40 ] للوجوب والمراد به إيجاب الوفاء بالعهد وفي ضمنه إيجاب الشكر على النعمة لأن الوفاء بالعهد هو الإيمان والطاعة وهما شكر النعمة ومعنى قوله وإن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدا إلا اللّه مستفاد من طريق الحصر في وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ .