اسماعيل بن محمد القونوي
199
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون والثاني أشعر بأنهم اهبطوا للتكليف ) يرد عليه أنه إن تحقق اختلاف المقصود فلا وجه للقول بالتأكيد وإلا فلا وجه للقول بالاختلاف والجواب إن النكتة مبنية على الإرادة فإن لم ينظر إلى الاختلاف فيعتبر التأكيد وإلا فالاختلاف أو إن اعتبر اتحاد المقصود بالحمل على مقصود واحد فالقول بالتأكيد وإن اعتبر اختلافه فالقول بالتأكيد قوله فإن الأول دل الخ يلائم الوجه الأول قوله يتعادون الخ بتخفيف الدال استئناف مبين لكون هذه الدار دار بلية مستفاد من قوله بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ البقرة : 36 ] والعداوة إما بينهم أو بينهم وبين إبليس ولا يخلدون منفهم من قوله إلى حين سواء أريد به الموت أو القيامة « 1 » فعلى هذا الأمر تكويني كما قيل أو تكليفي كما هو الظاهر وعلى الثاني الأمر تكليفي والتكليف بالأوامر والنواهي بعد الأمر بالهبوط كما يشير إليه قوله فمن اهتدى الخ وإنما قال هنا أشعر للتفنن وقيل لأنه من فحوى الكلام إذ لم يصرح فيه بتكليف وإنما أخذ من تعقيبه بالفاء وأما الأول فمنطوق الكلام ولذا قال دل الخ فيه . قوله : ( فمن اهتدى الهدى ) أي الحق أي فمن سلك الهدى أو فمن اهتدى إلى الهدى على الحذف والإيصال ( نجا ) فاز بالمطلوب وأمن من الخوف والمكروه هذا مضمون قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ [ البقرة : 38 ] الآية ( ومن ضله ) أي الحق والهدى فقد ( هلك ) هلاكا عظيما مفهوم قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 39 ] الآية . قوله : ( والتنبيه على أن مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية فمن الجنة إلى الأرض وأما المرتبة فمما كانا فيه من النعم والكرامة فعلق على اهبطوا أولا النزول مما كانوا عليه من التحاب والتوادد والتوافق التي هي خواص أهل الجنة قال اللّه تعالى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [ الحجر : 47 ] إلى التباغض والتباغي وما عليه الناس من الشر وإليه الإشارة بقوله : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ البقرة : 36 ] ومن الخلود والدوام إلى الفناء والزوال وإليه الإشارة بقوله : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [ البقرة : 36 ] ولما أراد أن ينتقل من هذا النوع من الانحطاط إلى نوع من البلاء والمشقة وهو الابتلاء بالتكليف أعاد اللفظ وهو قوله قُلْنَا اهْبِطُوا وعلق عليه قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [ البقرة : 38 ] الآيات وأما قوله : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] فحقه من حيث الوقوع أن يذكر بعد ذكر الهبوطين لأن التوبة إنما صدرت وهو على الأرض لكن قدم وعقب بالفاء الفصيحية ليدل على مزيد الاهتمام بشأن التوبة وليؤذون به على أن الذنب مما يجب أن يحترز منه وعلى تقدير صدوره يجب يعقب بالتوبة ولا يمهل . قوله : وللتنبيه على أن مخافة الإهباط الخ هذا المعنى مستفاد من دلالة التكرير على استقلال كل من المعنيين الحازم هو العاقل الغير الغافل قوله ولكنه نسي أي ولكن آدم نسي وخامة مخالفة
--> ( 1 ) إذ مفهوم الغاية متفق عليه بين الأئمة الحنفية والشافعية لكن عندنا بطريق الإشارة وعند الشافعي بطريق المفهوم المخالفة كذا في التلويح .