اسماعيل بن محمد القونوي
167
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الإمام وكلام المصنف يميل إليه حيث قال ( كسجود إخوة يوسف عليه السّلام له ) وكذا سجود أبويه له لم يذكره لكفاية ما ذكر في مطلوبه فإن المراد بالسجود هنا وضع الجبهة كما هو الظاهر من قوله وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [ يوسف : 100 ] وقوله علمائنا فلما جاء الإسلام أبطله بالسلام فصار حراما كما نص عليه الثعالبي والأئمة الفقهاء يؤيد ذلك فعلم منه أن السجود للمخلوق إنما يكون كفرا إذا قصد العبادة وأما إذا قصد التحية والتكرمة فليس بكفر لكنه منهي عنه حرام في شرعنا جائز في شرع من قبلنا إلى زمان يعقوب عليه السّلام وكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوق وذهب الأكثرون إلى أنه كان ذلك السجود مباحا إلى عصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبالجملة اتفق العلماء على أنه لم يكن سجود الملائكة لآدم عليه السّلام عبادة لكنهم اختلفوا في كيفية سجودهم فانحصر القول في ثلاثة الأول : ما قدمه المصنف والثاني المعنى اللغوي فهو يحتمل احتمالين الأول بوضع الجبهة على الأرض لا للعبادة بل للتعظيم والتكريم واختاره الإمام الرازي والثاني هو التذلل بالانحناء والانقياد بلا وضع الجبهة ومال إليه الإمام البغوي وبعض ما ذكرنا مما صرح به الإمام القرطبي كما نقله أرباب الحواشي وفيه احتمال رابع ليس بمشهور أشار إليه المصنف بقوله ( أو التذلل ) . قوله : ( والانقياد بالسعي ) أي المراد هذا لا الانحناء ( في تحصيل ما ينوط به ) أي ما يربط به ويعلق ( معاشهم ) مفعول به لينوط وضمير ينوط راجع إلى اللّه تعالى وفيه مقال أما أولا فلأن المذكور آدم عليه السّلام دون أولاده وعلى هذا الاحتمال يجب كون المراد هو وبنوه ولا يخفى ضعفه مع عدم ملائمة ما قبله فإن ما ذكر ما قبله سبب لسجود آدم لا نبيه لا سيما أولاده العاصين وأما ثانيا فلأن مختار المصنف كون المأمورين كل الملائكة والسعي في تحصيل معاشهم غير متصور في شأنهم أجمعين فإن قسما منهم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق كما اعترف به سابقا والقول بأنه مما أسند إلى الكل ما للبعض مجازا تكلف فوق تكلف وأما ثالثا فلأن صيغة المضي أعني فسجدوا يحتاج إلى التمحل إذ المراد به حينئذ الانقياد والسعي في تحصيل معاشهم إلى يوم القيام وأما رابعا فلأنه لا يلائم قوله : والانقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به معاشهم أي معاش آدم وبنيه والمعنى انقادوا بالسعي في تحصيل أمر معاشهم وتتميم كمالهم كانقياد من وكل منهم بالاجرام العالية بالسعي في تحريكاتها على أنحاء شتى الواجبة لقران الكواكب بعضها مع بعض تارة وافتراقها أخرى المربوط بها منافعهم ربط الآثار الصادرة عن المؤثر بالوسائط والشروط وكانقياد من وكل منهم بالرياح والمياه والسحب الممطرة بالسعي في سوقها ومن وكل بالأمطار بالسعي في إنزالها ليحيي بها الأرض وينبت بها ما به سبب بقائهم من أنواع المطعوم والأرزاق والفواكه والأثمار وما يداوي به الأمراض ويشرب بمائها صنوف الحيوانات إلى غير ذلك وهم المرادون بقوله تعالى : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [ النازعات : 5 ] كما قال يدبر الأمر من السماء إلى الأرض أي يدبر على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] فمنهم سماوية ومنهم أرضية .