اسماعيل بن محمد القونوي
168
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الأمر التعليقي فإن مقتضاه كون السجود متحققا حين التسوية ونفخ الروح والإخبار بالأسماء فلا تغفل ( أبى واستكبر ) استئناف بياني نشأ من الاستثناء لكن لما لم يكن السؤال سؤالا عن السبب مطلقا كان أو خاصا ترك التأكيد واختيرت الجملة الفعلية كأنه قيل ما فعل فأجيب بذلك ونقل عن أبي البقاء أنه حال من إبليس ولو قيل إنه خبر إلا بمعنى لكن والاستثناء منقطع لأسلم من تكلفات كثيرة ثم على تقدير كونه حالا يكون حالا مؤكدة لأنه فهم من الاستثناء ما على مذهب المصنف وهو أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات فظاهر وأما عندنا وهو أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا على رأي فبطريق الإشارة وعلى مذهب آخر وهو أن العشرة إلا ثلاثة موضوع للسبعة فبطريق الضرورة كما حققه المحقق صدر الشريعة في بحث الاستثناء في كلمة التوحيد وكونه تذييلا مؤكدا أولى من الحالية ( ويتم به كمالاتهم والكلام في أن المأمورين بالسجود الملائكة كلهم أو طائفة منهم ما سبق فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ [ البقرة : 34 ] . قوله : ( امتنع ) معنى أبى أي امتنع وأعرض عن السجود مع تمكنه منه إذ الإباء امتناع مع اختيار فهو أبلغ منه فلذا اختير في النظم الجليل قوله ( عما أمر به ) بيان لمفعوله المقدر إشارة إلى أنه مأمور بالسجود تمهيدا للبيان الآتي من أن الاستثناء متصل وتمحل فيه ما تمحل ولهذا لم يقل عن السجود وله نكتة أخرى وهي أن امتناعه من السجود كأنه امتناع من جميع ما أمر به . قوله : ( استكبارا ) أشار إلى أن وَاسْتَكْبَرَ من قبيل عطف العلة على المعلول حاصله ما ذكره المصنف لكن علة حصولية لا تحصيلية ولما كان الحكم مقصودا قدم أبى في الذكر وإن كان الاستكبار مقدما في الوجود أو هو مؤخر باعتبار ظهوره وتعلقه بما ذكر قوله ( من أن يتخذه ) قوله : والكلام مبتدأ خبره ما سبق وهو ما سبق من قوله في تفسير وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [ البقرة : 30 ] والمقول لهم الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص وقيل إبليس ومن معه في محاربة الجن وإنما كان الكلام فيه ما سبق لأن التعريف في لفظ الملائكة ههنا للمعهود من هناك عموم أو خصوص أريد هنا كذلك ثم الأكثر على أن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم لأن لفظ الملائكة تفيد العموم لا سيما وقد اكد في قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ الحجر : 30 ] ولأنه استثنى إبليس منهم واستثناء الشخص الواحد دال على أن ما عداه أدخل في الحكم ومنهم من انكر ذلك وقال المأمورون بالسجود ملائكة الأرض دون ملائكة السماء وأما الحكماء فقد أحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة البشرية وقالوا المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفوس الناطقة . قوله : استكبارا من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه ناظرا إلى أن يراد بالسجود المأمور به المعنى الشرعي وأن المسجود له هو اللّه تعالى وآدم قبلة سجودهم أو سبب وجوبه وقوله أو يعظمه ويتلقاه بالتحية ناظرا إلى أن يراد به المعنى اللغوي يحمله على الاحتمال الأول وقوله أو يخدمه ويسعى فيما فيه خبره ناظرا إلى أن يراد بمعناه اللغوي أيضا لكن يحمله على الاحتمال الثاني .