اسماعيل بن محمد القونوي

118

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( وليس باعتراض على اللّه تعالى ) عطف على التعجب أي الهمزة ليست للإنكار الوقوعي كما زعمت الحشوية فقالوا إنهم أنكروا الجعل المذكور واعترضوا على اللّه تعالى وطعنوا في بني آدم فقصد المصنف الرد عليهم صريحا بعد الرد عليهم تلويحا ولم يكتف بالرد ضمنا لبيان علو مرتبتهم ونزاهة شأنهم عما وهم الحشوية ولا طعن في بني آدم وهو أيضا معصية وكون هذا غيبة مع كون بني آدم في كتم العدم محل تأمل « 1 » وفي قوله ( ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك ) إشارة إلى أن قولهم أَ تَجْعَلُ [ البقرة : 30 ] الآية بالنسبة إلى النوع لا بالنسبة إلى آدم عليه السّلام ولو كان المراد بالخليفة آدم عليه السّلام . قوله : ( لقوله تعالى : بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) [ الأنبياء : 26 ، 27 ] استدلال على مدعاه بدليل لا يقبل الصرف عن ظاهره فهو دليل على المعنى الذي حمل عليه قوله تعالى : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها أيضا ولا مجال للعكس بأن يقال إنه لا يدل هذا على عموم الأشخاص ولو سلم ذلك لا نسلم دلالته على عموم الأوقات لأن قوله بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] يدل على العموم بدلالة السباق والمضارع المنفي ظاهر في عموم السلب لا في سلب العموم « 2 » ومما يؤيد ما ذكرنا قوله تعالى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] وقوله تعالى : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على عصمتهم . قوله : ( وإنما عرفوا ذلك بإخبار من اللّه تعالى ) جواب سؤال مقدر بأنهم كيف عرفوا ذلك فقالوا ما قالوا لأنه من المغيبات ولا علم لهم بالغيب فأجاب بأجوبة أربعة الأول ما روي عن السدي أن اللّه تعالى لما قال لهم ذلك قالوا وما يكون من ذلك الخليفة قال يكون له ذرية تفسد في الأرض ويقتل بعضهم بعضا وعند ذلك قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها [ البقرة : 30 ] كذا قالوا ورجح بعضهم هذا الوجه فقال ولذلك قدمه المصنف لكن يرد عليه ظاهرا أن مقتضى إذ في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ الآية أن قوله تعالى : لهم وقولهم وقعا في زمان بلا توسط شيء بينهما وحمل الوقت على الوقت المتسع خلاف الظاهر . قوله : ( أو تلقف من اللوح ) فإنه مكتوب فيه ما كان وما يكون يرد عليه أنهم كما قوله : وإنما عرفوا ذلك بإخبار من اللّه تعالى قال السدي لما قال اللّه تعالى لهم ذلك قالوا وما يكون من ذلك الخليفة قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضا . قوله : أو تلق من اللوح قيل فيه نظر لأنهم اطلعوا على جميع ما في اللوح فقد اطلعوا على

--> ( 1 ) إلا أن يقال إنه على طريق الغيبة وليس غيبة حقيقة ولذا قال على وجه الغيبة . ( 2 ) إذ هذه الآية مسوقة لرد قول الخزاعة الملائكة بنات اللّه تعالى فلا يختص بملك دون ملك فلا يقال إن عباد أجمع منكر لا يفيد الاستغراق كما صرح به أئمة الأصول .