اسماعيل بن محمد القونوي
68
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أي بلا تفاوت بينهما وذلك لأن تكرار الجار يدل على كمال العناية إذ تكراره « 1 » ينبئ بعدم تبعية غيره ووقوع الفعل عليه بنفسه لا بتبعية غيره كالمعطوف عليه ولو لوحظ التبعية لا كتفي بالجار الذي هو في المعطوف عليه وكمال العناية بتعلق الختم بكل منهما يقتضي الشدة وبهذا ظهر وجه إفادة التكرار الاستقلال المذكور لأن تكرار الجار يدل على انفراد كل بارتباط الفعل به قصدا فيدل على استقلال كل ما يحكم وأما القول بأن ختم يستعمل تارة متعديا بنفسه وأخرى بعلى وإذا استعمل بعلى يراد الدلالة على شدة الختم إلى آخره فيرد عليه أن الأمر بالعكس قال مولانا سعدي الكيد أقوى من المكر إذ ذلك يتعدى بنفسه وهذا يتعدى بحرف الجر في حل قوله تعالى : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ [ إبراهيم : 46 ] الآية قول القائل لأن زيادة اللفظ لزيادة المعنى لا يفيد فإنه ليس بكلي واستوضح بقولك حذر وحاذر فإن الأول مع قلة حروفه يفيد زيادة المعنى . قوله : ( ووحد السمع ) أي جعل السمع مفردا مع أن أخويه جمعا فإيراد الكلام على نمط واحد أولى فما وجه كونه مفردا مع أن موصوفه جمع فلذا جميع القلوب والأبصار فوجه بوجوه ثلاثة ( للأمن من اللبس ) فإن مدلول السمع ليس أمرا منفصلا عن الشخص فيجوز إطلاق لفظ المفرد وإرادة المتعددة لعدم الالتباس لظهور أنه لا يجوز اشتراك قوله : ووحد السمع للأمن من اللبس واعتبار الأصل هذا جواب سؤال تقريره أن يقال السمع لفظ مفرد وقد أضيف إلى ضمير الجمع والجمع لا يكون لهم سمع واحد فكان ينبغي أن يقال وأسماعهم وأيضا ما قبله قلوبهم وما بعده أبصارهم وكلاهما جمع فالمناسب للطرفين صيغة الجمع والجواب أن السمع يطلق على الأذن السامعة ويطلق على صفة السامع فإن كان المراد الأول وهو اللائق بالختم ففيه وجهان أحدهما أن المراد الاسماع حتى يكون معنى الآية ختم اللّه على أذانهم السامعة فلا يصل إلى قلوبهم من جهتها إدراك كما أطلق الشاعر البطن والمراد البطون في قوله : « كلوا في بعض بطنكم تعفوا » يقال عف يعف عفافا ومنه العفة وهي الكف عما لا يحل أي اقتنعوا بالقليل من الطعام وعفوا عن تناول الحرام وتمامه فإن زمانكم زمن خميص أي فإن زمانكم زمان الضيق والجدب الحميص الجائع والمراد أن زمانكم ذو خمص كما في عيشة راضية وذلك إنما يستعمل إذا أمن من اللبس كما في سمعهم وبطنهم ولا يخفى أن لكل واحد سمعا وبطنا بخلاف الثوب والفرس فإنه لا يبعد أن يكون للجمع ثواب واحد وفرس واحد فلا بد أن يقال أثوابهم وأفراسهم إذا أريد الجمع الثاني أن السمع وإن أريد به الأذن إلا أنه مصدر في الأصل فلم يجمع نظرا إلى الأصل ولهذا جمع الأذن في قوله تعالى حكاية وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] لأنه اسم لا مصدر وإن كان المراد بالسمع صفة السامع فلا معنى لختمه فلا بد أن يقدر مضاف أي وعلى حواس سمعهم هذا ما قالوا في وجه توحيد السمع والاعتراض عليه بأن ما ذكروا فيه مجوز التوحيد والكلام في المرجح فأجيب بأنه إذ تساويا فسؤال تعيين الطريق ساقط والحق في الجواب أن التفنن في الكلام مطلوب ولما كان التفنن موقوفا على جواز بين فيه جهة الجواز فلا إشكال .
--> ( 1 ) ولذلك فرق النحاة بين مررت بزيد وعمرو وبين مررت بزيد وبعمرو بأن في الأول مرورا واحدا وفي الثاني مرورين والعطف وإن كان في قوة إعادة العامل ليس ظاهرا إذ التقدير ليس كالتصريح .