اسماعيل بن محمد القونوي
408
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مفيدا للقصر حين كون اللام للجنس وهو ممنوع هنا ولو سلم فليس بكلي وعدم القصر قد قام عليه قرينة كما عرفته والنعم غير مقصورة على الربوبية إلا أن يقال الربوبية حاوية لجميع النعم فيساعد حينئذ القصر ثم المراد بالعلة المؤثرة في الحكم بجعل اللّه تعالى بمعنى أنه رتب الأحكام على أمور ظاهرة يسيرا لنا كالأوقات عند المتأخرين والنعم المتعاقبة عند المتقدمين وهو مختار المصنف فهذه الأمور مؤثرة في الأحكام بالنسبة إلينا يجعل اللّه تعالى كالنار في الإحراق عند أهل السنة وأما السبب الحقيقي فهو الإيجاب القديم وهو حكمه تعالى في الأزل أنه إذا بلغ زيد يجب عليه ذا فقول البعض والمراد بالعلة في قوله إشعارا بأنها العلة لوجوبها الدليل الدال على وجوبها بناء على أن العلة المقتضية الإيجاب القديم وتلك العلل أمارات عليها لكن قوله أولا والمقتضي بعد ذكر العلة آب عنه فالتعويل على ما ذكرنا من أن المراد بالعلة المؤثرة بجعل اللّه تعالى كما عرفت . قوله : ( ثم بين ربوبيته بأنه تعالى خالقهم ) بقوله : الَّذِي خَلَقَكُمْ الآية ( وخالق أصولهم ) إشارة إلى أن المراد بقوله : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الأمم السالفة والأجداد الماضية فمن عممه إلى السماوات والأرض وغيرهما من الجمادات لم يصب قوله ( وما يحتاجون إليه ) المستفاد من قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ الآية . ( في معاشهم من المقلة ) يعني الأرض من أقله بمعنى رفعه وتحمله ( والمظلة ) يعني السماء من أظل بمعنى أقبل ودنا كأنه ألقى ظله فالمقلة والمظلة اسم فاعل من الأفعال وقيل المظلة من أظله إذا جعل عليه ظله وهي كالسقف وهذا هو الملائم لقوله تعالى : وَالسَّماءَ بِناءً قوله : ( والمطاعم والملابس ) لما لم يكن ذلك مذكورا في النظم ظاهرا أشار إلى وجهه فقال إن الثمرة المذكورة في قوله : فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ ( فإن الثمرة أعم من المطعوم والرزق أعم من المأكول والمشروب ) إشارة إلى ما ذكره الراغب من أن الثمرة ما يحمله الشجر ثم عمم لكل ما يكتسب ويستفاد حتى قيل لكل نفع يصدر عن شيء هو ثمرته فيقال : ثمرة العلم العمل فيشمل كل رزق من مأكل ومشرب وملبس سواء كان من الثياب كالقطن والكتان أو لا لكن الثمرة استعماله بهذا المعنى غير متعارف في القرآن ثم المراد بقوله ثم بين ربوبيته تفصيلها إذ ذكر الربوبية أولا إجمالا ثم تفصيلها ثانيا أوقع في النفس ومتضمن للمدح مرتين وتقرير لعليتها للحكم والظاهر من كلامه في سورة الفاتحة أن الرب معتبر في مفهومه التدريج حيث قال التربية تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا والخلق أعم من التدريج والدفعي وجميع ما ذكر هنا كونه مخلوقا على سبيل التدريج محل تأمل إذ المتبادر من التدريجي كونه مخلوقا أطوارا وكون الأرض والسماء كذلك غير مسلم ولو قيل المراد بالرب بمعنى الخلق مطلقا لزم إرجاع أحد الصفتين إلى الأخرى ويظهر ضعفه قوله : من المقلة والمظلة المقلة الأرض والمظلة السماء ومنه الحديث فما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على أصدق لهجة من أبي ذر .