اسماعيل بن محمد القونوي

409

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بالتأمل الأحرى إلا أن يقال الرب وإن كان خاصا لكن أريد به هنا « 1 » المعنى الأعم . قوله : ( ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليه غيره شاهدة على وحدانيته تعالى ) أي ما خلق من الإنسان والأرضين والسماوات وما فيهما قوله شاهدة على وحدانيته أي كما أنها نعم جسمية علل لوجوب العبادة كذلك آيات دالة على وحدانيته وسائر صفاته العلية ( رتب عليها النهي عن الإشراك به ) إذ قوله فَلا تَجْعَلُوا [ البقرة : 22 ] نهي لفظا ومعنى أو معنى وفيه تنبيه على أن الفاء في فَلا تَجْعَلُوا الترتيب ما بعدها على ما قبلها وأن مراده فيما مر بقوله متعلق باعبدوا أنه متعلق بالأمور المذكورة المتعلقات لاعبدوا وأن هذا الاحتمال في فَلا تَجْعَلُوا راجح على غيره من النكات وقد مر الكلام فيه تفصيلا . قوله : ( ولعله سبحانه ) وتعالى صيغة الترجي لعدم الجزم فيه ( أراد من الآية الأخيرة ) وهي قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ الآية ( مع ما دل عليه الظاهر ) إنما قال مع ما دل عليه الظاهر ( وسيق فيه الكلام الإشارة إلى تفصيل خلق الإنسان ) لئلا يتوهم أنه حمل الأرض على البدن والسماء على النفس إلى غير ذلك فإنه لا يمكن إذ لا علاقة معتدا بها بينها ومع ذلك يأبى عنه قوله : فِراشاً وقوله : بِناءً [ البقرة : 22 ] وغير ذلك وفي قوله مع ما دل الخ . تنبيه على أن هذه الدلالة أصل متبوع وما ذكر تابع فإن ذلك المعنى قوله : ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غيره شهدت على وحدانيته الخ معنى شهادتهما على الوحدانية قد بيناه في تحقيق معنى السببية المستفادة من الفاء في فَلا تَجْعَلُوا حيث ذكرنا أنها معبر موصل إلى التوحيد الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ [ البقرة : 22 ] الآية إن كان خبرا عن الضمير المحذوف يفيد معنى التخصيص الدال على تفرد الصانع تعالى وحدانيته ولما أفاد الكلام المتقدم معنى التوحيد عقلا ونقلا رتب عليه النهي عن الاشراك به تعالى ترتيب المسبب على السبب . قوله : ولعله سبحانه أراد من الآية الأخيرة الخ والآية الأخيرة هي قوله عز وجل : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ [ البقرة : 22 ] أي أراد بها مع منطوقها الظاهر الإشارة ضمنا إلى تفصيل خلق الإنسان قال صاحب الكشاف ثم خلق ما سواه عز وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها والإخراج به من بطنها اشتباه النسل المستنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبني آدم ليكون ذلك لهم معتبرا ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد واعتراف ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم وإن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها فيتقنوا عند ذلك أن لا بد لها من خالق ليس كمثلها حتى يجعلوا المخلوقات له أندادا وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر إلى هنا كلام الكشاف . قوله : وهم يعلمون أنها لا تقدر الخ استرجاع منه للوجه الأخير وهو أن مفعول العلم منوي مقصود تعلقه به .

--> ( 1 ) ولو قيل قوله الَّذِي خَلَقَكُمْ [ البقرة : 21 ] صفة مدح بخالقية هؤلاء ومن قبلهم غب مدح بالربوبية فإن خلق الإنسان لكونه أطوارا عبر بالتربية أولا لكان أبعد عن الاشتباه .