اسماعيل بن محمد القونوي

401

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

إشارة إلى معنى الند فالمناسب لقوله خص بالمخالف المماثل في الذات الاكتفاء بقوله في ذاته والظاهر من كلامه أن الند هو المساوي في ذاته وفي صفاته والمخالف في أفعاله ولا يوافق هذا ما مر من تفسير الند بوجوه كثيرة إلا أن يقال إن الند بمعنى المساوي في الذات كالمثل وهو يستلزم المساواة في الصفات والمخالف في الأفعال . قوله : ( لأنهم لما تركوا عبادته ) خبر لقوله وتسمية ( إلى عبادتها ) أي مائلين إلى عبادتها فهو متعلق بتركوا بالتضمين وهذا بناء على أن عبادة اللّه تعالى مع عبادة غيره كلا عبادة فمن عبده مع عبادتها كأنه عبدها ولم يعبده وإلا لم يتركوا عبادة اللّه تعالى رأسا ( وسموها آلهة ) فيه إشارة إلى أن عبادتهم الأصنام باعتبار أسام أطلقوا عليها من غير حجة تدل على تحقق مسمياتها فيها فكأنهم لا يعبدون إلا الأسماء المجردة فسبب عبادتهم التسمية فلو قيل لأنهم لما سموها آلهة فتركوا عبادته تعالى الخ . لكان أحسن سبكا وأتم نظما . قوله : ( شابهت حالهم ) جواب لما يريد أنهم وإن لم يعتقدوا الندية إذ يستحيل أن يزعم عاقل ذلك الأمر البديهي الاستحالة لكن إنهم لما فعلوا بهم ما يستحقه الواجب لذاته من العبادة وغاية التذلل شبهوا ( بحال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أن تدفع عنهم بأس اللّه وتمنحهم ما لم يرد اللّه بهم من خير ) فذكر اللفظ المركب الموضوع للمشبه به وأريد الهيئة المشبهة وقد عرفت أن من يعتقد أنها واجبة مفروض غير محقق ويكفي في صحة التشبيه ذلك الفرض وقد مر الكلام مفصلا في تفسير قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الآية . قوله : ( فتهكم بهم ) أي هذه استعارة مصرحة محققة تهكمية أي الغرض منها التهكم بهم بأنهم جعلوا الجماد ندا للواجب القادر التام القدرة وذي الإرادة التامة بناء على أن الاستعارة بناء على تناسي التشبيه فلا يلاحظ التشبيه وإن كان على طريق التشبيه كما عرفت ولذا قال المص ( وشنع عليهم بأن جعلوا أندادا لمن يمتنع أن يكون له ند ) ولم يقل بأن شبه قوله : قادرة على أن تدفع عنهم بأمر اللّه ويمنحهم ما لم يرد اللّه بهم من خير وفي التعرض لمعنى دفع ما أراده اللّه ومنح ما لم يرده إشارة إلى معنى المخالفة المعتبرة في مفهوم الند . قوله : فتهكم بهم وشنع عليهم بأن جعلوا الخ أي كما تهكم بهم بلفظ الند شنع بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح له واحد قط كما تهكم بهم بإثبات الند بولغ فيه بأن أوثر الجمع يعني لم يكتفوا بذلك الفعل الشنيع حتى ضموا إليه ما زادت به الشناعة عليهم فيكون من باب الايغال المذكور في علم البديع كقوله كأنه علم في رأسه نار وحاصل ما قرره أن هذه التسمية أي تسمية اللّه أندادا على التهكم لأنهم يقيمون الضد مقام الضد لضرب من التهكم فكأنه قيل فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 22 ] يخالفونه ويعادونه وفيه كما ترى تهكم بهم بضرب من التهكم كقوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] استحقارا وازدراء لفعلهم أنتم لا تعلمون أن مثل هذا التعظيم والتسمية يؤدي إلى جعلها قادرة على مخالفته ومناواته فهي استعارة مصرحة تحقيقية أصلية واقعة على سبيل التهكم إلى هنا كلامه والظاهر من قوله شابهت حالهم حال من يعتقد الخ أنه من باب الاستعارة التمثيلية الواقعة على طريق التهكم .