اسماعيل بن محمد القونوي
402
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
حالهم بحال من جعلوا أندادا مع أنه قال أولا هكذا قيل يعني استعارة تبعية تهكمية بجعل غاية عجزهم بمنزلة القوة تهكما بدعاء أحد الضدين بمنزلة الضد الآخر كما جعل البخيل بمنزلة الجواد باستعارة الحاتم للبخيل فأطلق الند على كل منهما كما أطلق الحاتم على البخيل انتهى « 1 » كأنه أراد به أن الاستعارة التهكمية هنا بالمعنى المشهور وأنت خبير بأن قول المص شابهت حالهم حال من يعتقد الخ صريح بأن المص حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية دون التبعية التهكمية فهو في نفسه كلام جيد لكنه شرح لا يطابق المشروح فالحق ما قاله قدس سره إن هناك استعارة تمثيلية وليست تهكمية اصطلاحا إذ ليس استعارة أحد الضدين للآخر بل أحد المتشابهين لصاحبه لكن المقصود منها التهكم بهم لتنزيلهم منزلة من يعتقد أنها آلهة مثله انتهى . فإن قيل إن النهي لا يقتضي وجود المنهي فمن أين يفهم أنهم جعلوا أندادا قلنا إن الخطاب مع المشركين وهم ممن عبد الأصنام فهم جعلوا له تعالى أندادا بهذا التأويل ثم إن قوله تعالى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 22 ] لما دل على أنهم جعلوا أندادا لما ذكرنا اعتبر ذلك الكلام المنفهم استعارة تمثيلية يقصد بها التهكم فإن التشبيه والاستعارة يجريان في الكلام المفهوم كجريانهما في المنطوق فإن قيل إن ظاهر هذا الكلام أن الخطاب للمشركين كما أوهمه كلامه هنا وفي قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ البقرة : 22 ] قلنا إن الخطاب عام مثل اعبدوا كما صرح به المصنف هناك لكن المسلمين لما لم يجعلوا له تعالى ندا لم يتعرض لبيان أحوالهم بل تعرض لبيان أحوال المشركين وقد عرفت أن النهي لا يقتضي وجود المنهي فتوجه الخطاب إليهم جميعا للمنع عنه بالنسبة إلى المؤمنين وللزجر عن دوامه بالنسبة إلى المشركين أو توجه النهي عنه إليهم جميعا فإن ذلك الجعل وقع بينهم وإن لم يجعل كلهم كما قال المصنف في قوله تعالى : وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ [ مريم : 66 ] الآية من سورة مريم المراد به الجنس بأسره فإن المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقل كلهم كقولك قتل بنو فلان والقاتل واحد منهم والرضاء ليس بشرط كما صرح به السعدي هناك ولك أن تقول الخطاب للمشركين خاصة بخطاب تلوين وشنع عليهم بأن جعلوا أندادا الخ أي بإيراد لفظ الجمع
--> ( 1 ) وفي بعض النسخ لتنزيلهم منزلة الاضداد حيث شبهت حالهم بحال المعتقدين قيل أقول النسخة الثانية صريحة في أنها استعارة تهكمية بالمعنى المشهور وتحقيقه أن الند كما سمعته آنفا بحسب أصل اللغة ليس بمعنى النظير مطلقا بل نظيرك الذي يخالفك وينفيك ويتباعد عنك ثم توسع فيه فاستعمل لمطلق المثل كما في قولهم ليس للّه ضد ولا ند فإنه لنفي ما سد مسده وما ينافيه وهم إنما يعتقدون أن آلهتهم تناسبه وتقرب إليه كما قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ [ الزمر : 3 ] إلا أنهم لتمام حمقهم نسبوا لبعضها البنوة المقتضية لتمام المشاكلة فإن استعير الضد من المعنى الأول وهو المعادي المبعد للآلهة المقربة عندهم كانت من استعارة أحد الضدين للآخر لأن التضاد أعم من الوضعي كالبشير للانذار في قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] أو مما هو بحسب اللوازم المرادة بلا وضع لها كالأسد للجبان والحاتم للبخيل وإن نظر إلى الثاني وأنه بمعنى المثل مطلقا لم يكن بينهما تضاد فيكون من استعارة أحد المتشابهين للآخر فيكون التهكم فيه غير اصطلاحي انتهى واحتمال الأخير هو الظاهر من كلامه قدس سره على أن النسخة الثانية مخالفة لقوله وليست تهكمية اصطلاحية فهي لا يعبأ بها فالاشتغال بحلها ليس بمستحسن .