اسماعيل بن محمد القونوي
385
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يَعْمَلُونَ [ السجدة : 17 ] والعمل سبب عادي لدخول النار إن كان سيئا ولدخول الجنة إن كان صالحا فلا يعرف وجه ما نقل عن المحقق التفتازاني أنه قال في تقرير السؤال يعني أن الشائع استعمال الباء السببية فيما يرجع إلى الفاعل ومن فيما يرجع إلى المادة وقد صرح المصنف كون الباء للسببية في الآية المذكورة ولا ريب في أن العمل ليس مما يرجع إلى الفاعل اللهم إلا أن يتكلف والبعض حاول البيان فقال نعم لا شك في كون الماء مادة لكنه ليس كسائر المواد بل فيه معنى سببية ليس لغيره فأشبه « 1 » الفاعل . قوله : ( بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها ) الإفاضة استعارة للإعطاء والتفضل والعلاقة ظاهرة والمراد بالصور أشكال الثمار فإنها من الصور العرضية والمراد بالكيفية هي الطعوم والألوان فإنها حالة راسخة تدرك بالقوة الذائقة وبالقوة الباصرة فهما من الكيفيات المحسوسة ولها كيفية أخرى كالخشونة والصلابة واللينة وغيرها ( على المادة الممزوجة منهما ) وهي الماء الممزوج بالتراب وهذا مذهب أهل السنة كما عرفت من أن الأشياء مستندة إليه ابتداء لكن بربط المسببات بالأسباب في بعض الأشياء وهذا يؤيد ما قلنا من أن قوله وخروج الثمار الخ إشارة إلى قاعدة أهل السنة لكن أكثر المحشيين ذهبوا إلى أنه جواب سؤال مقدر مع اختلاف في تقرير السؤال كما عرفت من تقرير التفتازاني « 2 » . قوله : ( أو أبدع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار ) وهذا مذهب الحكماء من أن الباء للسببية الحقيقية هذا هو الظاهر وقيل وهذا على مذهب غير أهل السنة من المعتزلة والحكماء ولم نطلع على كون هذا مذهب المعتزلة وأعجب من ذلك ما قيل هذا مذهب المعتزلة وبعض أهل السنة حيث قالوا بتأثير الأسباب حقيقة لا على مذهب الحكماء إذ لا يقولون بإبداع القوة الفاعلة في الماء فإن العناصر الأربعة الممزوجة قابلة للصور والكيفيات من المبدأ الفياض على حسب الاستعدادات الحاصلة بتوسط الحركات انتهى وما اشتهر في كتبهم أن لكل نوع من الأنواع صورة نوعية مبدأ لآثار الأجسام فالصورة النوعية للنار تفعل الحرارة وفي الماء تفعل البرودة وغير ذلك قولهم العناصر بكسر بعضها صورة بعض فكل واحد منها فاعل وقابل فالمراد بالقوة الصورة النوعية ولا ينافيه كون العناصر الأربعة الممزوجة قابلة للصور الخ وأما كون هذا مذهب بعض أهل السنة فهو مع أنه مخالف لقاعدة أهل السنة لم يقل به أحد سوى القائل المذكور وكذا الكلام في المعتزلة نعم إنهم ذهبوا إلى أن العبد خالق لأفعاله لكن قولهم
--> ( 1 ) قيل ولك أن تقول أراد النحرير أن السبب إنما يستعمل حقيقة في العلة الفاعلية فالشائع أن يدخل الباء السببية على ما يرجع إلى الفاعل ومن على ما يرجع إلى المادة لكن هذا إذا كان المقصود بالإفادة ومصب الغرض بيان حال الفاعل وأما إذا كان الغرض بالإفادة حال المادة وكيفية تولد المفعول منها لا بأس بأن يدخل الباء السببية على العلة المادية بذلك الاعتبار انتهى وهذا تكلف بارد . ( 2 ) وأكثرهم قرره هكذا جواب عما يقال من أن السبب الحقيقي في خروج الثمار قدرة اللّه تعالى ومشيئته فما وجه دخول باء السببية على الماء .