اسماعيل بن محمد القونوي

386

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بتأثير الأسباب حقيقة غير مشهور ولم نعثر عليه وقول بعضهم إن أراد أنه أبدع في الماء قوة فاعلة مؤثرة في الحقيقة فهو خلاف مذهب أهل السنة القائلين بأنه لا مؤثر إلا اللّه وإن أراد أنه أبدع في الماء قوة فاعلية أي يصح أن يكون لها فعل لكن لا تأثير لها وإنما التأثير للّه تعالى فكيف يصح أن يقال يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار صريح فيما ذكرناه ولو قيل إن مراده من بعض أهل السنة الأستاذ أبو إسحاق والقاضي أبو بكر الباقلاني قلت إنهما أثبتا أن للقدرة من العبد مدخلا في أفعاله لا بتأثير الأسباب حقيقة مع أنهم أولوا كلامهما فاللائق في مثل هذه الكشف عن حقيقة المقال مع نقل صريح من الثقات ويمكن اختيار الشق الثاني المذكور في كلام القائل الثاني وقوله فعلى تقدير عدم تأثير القوة الفاعلة فمن أين يعلم وجودها وما فائدة إبداعها فيه فجوابه أن فائدة إبداعها أنه تعالى جرى عادته بإيجاد الثمر مثلا بإبداع تلك القوة كما أن خلق أفعال العباد منوط بقدرة العبد مع أنه لا تأثير لها عند أهل السنة أصلا فكذا هنا وإلى ذلك أشار بقوله ( وهو قادر على أن يوجد الأشياء ) إذ قوله ( كلها بلا أسباب ومواد ) صريح في أنه لا تأثير للأسباب كلها حقيقة ولا أظن أحدا من أهل السنة أنه يخالفه قوله ( كما أبدع نفوس الأسباب والمواد ) أي أبدعها بلا أسباب وإلا لزم التسلسل فكما قدر على خلقها ابتداء كذلك قادر على إيجاد المسببات بلا أسباب أيضا نسبة القدرة إلى المسببات والأسباب سواء وهما أيضا سواء في المقدورية ( ولكن له في إنشائها ) والإبداع والإنشاء الإيجاد وقد يخصص الإبداع على إيجاد شيء غير مسبوق بمادة ولا زمان قيل وكذا الإنشاء أيضا ومقابله التكوين في الاستعمال قال المصنف في قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 117 ] الإبداع اختراع الشيء لا عن شيء دفعة وهو أليق لهذا الموضع من الصنع الذي هو تركيب الصورة بالعنصر والتكوين الذي يكون بتغيير وزمان غالبا انتهى قيد غالبا معتبر في الكل وإلا فهو منظور فيه كما ستعرفه . قوله : ( مدرجا من حال إلى حال صنائع وحكم ) على لفظ اسم المفعول حال من الضمير البارز في إنشائها باعتبار كل واحد أو مفعول مطلق بتقدير الموصوف أي إنشاء مدرجا وجعله مفعولا ثانيا للإنشاء بتضمين معنى الجعل والتصيير ضعيف إذ العبر في خلق الأشياء بالتدريج لا جعل الأشياء مدرجة وأما كون مدرجا اسم فاعل حالا من ضمير له فهو غير مناسب إذ اطلاق مدرجا عليه تعالى لا يخلو عن اضطراب وإن لم يطلق بطريق الاسمية ( يجدد ) أي اللّه تعالى ( فيها ) في صنائعها ( لأولي الأبصار ) جمع بصيرة وهي القوة المدركة في القلب بمنزلة القوة الباصرة في العين يدرك بها المعقولات قيده بهم لأنهم قوله : كما ابدع نفوس الأسباب والمواد وقد قيل : اكر تكوين بآلت يد حوالت * جه آلت بود در تكوين آلت وقالوا إن في ترتيب المكونات على الأسباب قدرتين وحكمتين خلق نفس السبب وخلق خاصية التأثير فيه ونظام الوجود وإفاضة الجود وهذا هو المعنى بقوله ولكن في إنشائها مدرجا من حال إلى حال صنائع وحكم الخ .