اسماعيل بن محمد القونوي
366
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
هو الظاهر وفيه كلام في الأصول كذا قيل ولمتانة الاشكال رجح الاحتمال الأخير وإن كان فيه إشكال آخر كما ستعرفه وبعضهم حمل الأمر على الاستحباب لكن لا يلائم قول المصنف فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به فإنه يقتضي حمله على الوجوب وإن لم يحمل عليه فلا أقل من حمله على أعم من الوجوب فالتعويل على ما ذكرناه من أنه لا يلزم من وجوب المقيد وجوب القيد بل الفائدة من التقييد الإرشاد إلى ما هو أكمل العبادات وأفضل الطاعات فإنه أفضل المناجاة . قوله : ( أن تنخرطوا في سلك المتقين ) الانخراط بمعنى النظم ولهذا اقترنه بالسلك وهو الخيط الذي ينتظم فيه الدرر وفيه استعارة بديعة فكن على بصيرة ومثل هذا لا يلزم أن يسمع بخصوصه من العرب بل لا بدّ من أن يسمع نوعه وفي قوله ( الفائزين بالهدى ) إشارة إلى أن المراد بالتقوى هنا هي المرتبة الثالثة فلا وجه للإشكال بأنه لا معنى لتقييد العبادة برجاء التقوى لأن الرجاء ينافي الحصول وهذا عجب إذ أرباب التقوى بالمرتبة الأولى والثانية مأمورون بالعبادة راجين بوصول هذه المرتبة الثالثة وأما أصحاب المرتبة الثالثة وإن كان الأمر المذكور يتناولهم لكنه ليس مخصوصا بهم بل يتناول أهل المرتبتين كما سلف فأسند ما هو لأغلب الافراد من الرجاء إلى الكل وهو شائع في كلامهم أو بالنسبة إليهم رجاء ثباتهم إذ قد عرفت في توضيح قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] أن السير في معرفة اللّه تعالى غير متناه بل السير إلى معرفة اللّه تعالى أيضا غير متناه ومن هذا ينكشف أن حمل التقوى على المرتبة الثانية بل الأولى صحيح هنا بالحمل على رجاء دوامها وثباتها فكأن أرباب الحواشي ذهلوا عن التحقيق في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] وأطنبوا الكلام ههنا بلا طائل الفائزين بالهدى في الدنيا آية مرتبة من الهداية قال المصنف في تفسير قوله تعالى : اهْدِنَا [ الفاتحة : 6 ] الآية فإذا قاله العارف الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك انتهى . وإذا نظر إلى أن العارف الواصل داخل تحت الأمر هنا فالمعنى بالنسبة إليهم اعبدوا ربكم راجين طريق السير في العرفان في كل حين وزمان وأما بالنسبة إلى غير العارفين فالمعنى اعبدوا ربكم راجين الوصول إلى مرتبة العارفين فإن الوصول إليها مطلوب المقربين ( والفلاح ) في العقبى وإنما ذكره لدفع ما قيل « 1 » إن اللائق بالبلاغة القرآنية أن يعتبر من أول الأمر غاية عبادة ربهم ما هو لذة لهم وهو الثواب الجزيل وإن كان التقوى مفضيا إليه وجه الدفع هو أن التعرض إلى السبب تعرض إلى المسبب وهو الثواب المسبب عن التقوى وبهذا علم غاية متاعبهم التي لأجلها يستحقر مشاقها مع الإشارة الخفية العلية إلى أن العابد ينبغي أن يرجو بعبادته الوصول إلى المرتبة العليا من التقوى وهي أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره وهذه لذة الروحانية التي ينسى في جنبها جميع لذة الجسمانية وغفل عن هذه النكتة الأنيقة كثير
--> ( 1 ) غايته يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز إن قيل إن الدوام في الشيء يكون اطلاق الشيء عليه مجازا وهو جائز عند المصنف ذلك أن تقول لعموم المجاز .