اسماعيل بن محمد القونوي
341
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ارتباط هذه الآية بما قبلها والمراد بالفرق المؤمنون والكفار والمنافقون والمكلفون والإنس والجن لا الملائكة فإنهم وإن كانوا مكلفين كما صرح به المصنف في قوله تعالى : وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ النحل : 50 ] من سورة النحل لكنهم ليسوا بمرادين هنا كما لا يخفى وذكر خواص كل فريق وما يختص بهم في الدارين من الاهتداء بالقرآن وإنفاق الحلال والإيمان بالغيب والفلاح في المؤمنين المخلصين المشار إليه بقوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] وإصرار الفريق الثاني على الكفر وعدم نفع الانذار وختم قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وبقائهم في الشقاء المؤبد والعقاب المخلد المبين بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 6 ] الآية واخفاء الكفر والمخادعة ورجوع وبالها عليهم وغير ذلك المشروح مفصلا من قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 8 ] الآية إلى هنا في الفريق الثالث والختم على القلوب والسمع وتغشية الأبصار وإن كانا موجودين في المنافقين غير مختص بالكفار المجاهرين كما أشار إليه المص فيما سبق حيث قال فإنهم من حيث صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم لكنهم من حيث اختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر كانوا مقابلين للكفار المجاهرين فبهذا الاعتبار تم الاختصاص فإن الختم مع زيادة زادوها على الكفر غير الختم بدونها مع أنه ذكر صريحا في المجاهرين دون المنافقين والمراد بالخواص ما ذكر صريحا في فرق المكلفين حتى قيل لم يرد ذم من لم ينفق أصلا مع أنهم مقابلو من مدحوا بذلك وكذا الصلاة وسائر القربات وكذا الشقاوة لا يمدح من لم يتصف بها . لما عدد الفرق الثلاث بمسمع منهم مخاطبا غيرهم ووصف كل فرقة بما اختصت به مما يسعدها ويشقيها ويخطئها ويرديها أقبل عليهم بقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] يعني أيها المؤمنون كما شرفتكم ورفعت منزلتكم ومنحتكم الكتاب الكامل ففزتم بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا دوموا على ما أنتم عليه ولا تتوانوا وزيد في الشكر والتقوى لأزيدنكم في النعمة والإفضال ويا أيها الكافرون اقلعوا عما أنتم فيه وارجعوا عن عبادة غير اللّه الذي لا نفع فيه ولا ضر وتوجهوا إلى عبادة من خلقكم وآباءكم وجعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ورزقكم وكيت وكيت ويا أيها المنافقون اعلموا أني عالم بضمائركم وأسراركم واعلم ما تأتون وما تذرون فأخلصوا العبادة لخالقكم الذي أنعم عليكم وعلى أسلافكم لعلكم تتقون فتحذرون عن النفاق روي عن أبي حنيفة رحمه اللّه أنه قال الناس على ثلاثة أصناف المؤمن المخلص في إيمانه والكافر الجاحد في كفره والمنافق المداهن في نفاقه واللّه تعالى فرض على المؤمن العمل وعلى الكافر الإيمان وعلى المنافق الاخلاص هذا وأقول فعلى هذا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ اعبدوا فإنه حقيقة في معنى العبادة ومجاز في معنى الدوام عليها ويمكن أن يجاب عنه بأن المعنى في اعبدوا عبادة دائمة فيكون أمرا بحقيقة العبادة الموصوفة بالدوام ومعنى الدوام والإحداث والإخلاص خارج عن مفهوم اللفظ وأجيب أيضا بأن هذا عمل بعموم المجاز بجعل العبادة مجازا عن اجتناب الفواحش ولا شك في أن كل واحد من الأمور المذكورة اجتناب عن الفاحشة قال الرازي في كلام الكشاف نظر لأنه لم يذكر للمؤمنين مشقيات ومرديات وللكافرين مسعدات ومخطئات ثم قال ولعل المراد به أنه لما ذكر للمؤمنين مسعدات ومخطئات علم منه أن مقابلات تلك الصفات مشقيات ومرديات وكذلك للكافرين والمنافقين فكأنه ذكر الكل من الفرق المسعدات والمخطئات والمرديات .