اسماعيل بن محمد القونوي
340
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( على أنه تعالى ) متعلق بنبه لكن دلالة قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ [ البقرة : 20 ] عليه بطريق الاقتضاء ( جعل لهم السمع والأبصار ليتوسلوا بها إلى الهدى والفلاح ثم إنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة وسدوها عن الفوائد الآجلة ) والمنبه عليه ما أشير بقوله ( ولو شاء اللّه لجعلهم بالحالة التي يجعلونها فإنه على ما يشاء قدير ) ليتوسلوا بها بأن ينظروا بالنظر الصحيح إلى الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق حتى يتبين لهم الحق ويذعنوا له وهو المراد بالهدى أي الدلالة الموصلة إلى البغية والمنى وينالوا بذلك سعادة الدارين والنجاة عن الخيبة والخسران في الكونين وهو المراد بالفلاح وبأن يسمعوا الحق بأذن واعية ويرغبوا إليه برغبة عالية حتى يفوزوا بعيشة راضية ثم إنهم صرفوها ثم هنا للاستبعاد لا للتراخي في الزمان إلى الحظوظ العاجلة بالانهماك في الشهوات الفانية من المبصرات والمسموعات المهلكة ولو شاء اللّه لجعلهم بالحالة التي يجعلونها أي يكسبونها فيتعدى الجعل إلى مفعول واحد كما أن جعل في قوله على أنه تعالى جعل لهم متعد إلى مفعول واحد لكونه بمعنى خلق ولما تعذر هذا في المخلوق حمل على الكسب والمعنى ولو شاء اللّه جعلهم بذلك لجعلهم ملتبسين بالحالة التي يجعلونها أي سمعهم وأبصارهم عليها من سدها وتعطيلها وجعلهم صما وعميا حقيقة لكنه لم يشأ ذلك لحكمة دعت ومصلحة اقتضت فلم يكونوا صما ولا عميا حقيقة ولكنهم تعاموا وتصاموا فلو هنا لانتفاء الثاني لانتفاء الأول ويمكن حملها على أنها لانتفاء الأول لانتفاء الثاني كما اختاره المص في صدر الآية . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 21 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) قوله : ( لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم « 1 » ) أشار بذلك إلى قوله : بالحالة التي يجعلونها على البناء للمفعول وضمير المفعول للحالة وإلا لزم الاقتصار على أحد مفعولي الجعل الذي هو من أفعال القلوب والمعنى بالحالة التي يجعلون لأنفسهم تلك الحالة أو يجعلون أنفسهم بتلك الحالة على أن يكون تعلق الجعل بالمفعول الأول القائم مقام الفاعل أو بالثاني المراد به من باب الحذف والإيصال وفيه تكلف أو على البناء للفاعل وهو الظاهر والمعنى بالحالة التي يفعلونها فحينئذ لا يكون الجعل من أفعال القلوب ولا يلزم المحذور المذكور . قوله : لما عدد فرق المكلفين أي من لدن قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] إلى هنا قال صاحب الكشاف لما عدد اللّه تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويخطئها عند اللّه ويرديها أقبل عليهم بالخطاب قال الفاضل الطيبي واللطيفة التي يتضمنها هذا المقام أنه تعالى
--> ( 1 ) ومصارف أمورهم المصارف جمع مصرف من صرف المال إذا انفقه أو من صرف الدينار بالدرهم إذا أبدله استعير هنا لما هم عليه في أعمالهم أو لما يؤول إليه أمورهم من الفوز بالسعادة أو الخسران وهو ظاهر كذا قيل فهو كالتأكيد لما قبله .