اسماعيل بن محمد القونوي

300

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وأنهم جعلوها في آذانهم قبل الالتفات إلى القرينة المانعة وكفى هذا في إفادة المبالغة وقول بعض أهل المعاني إن المجاز المرسل لا يفيد مبالغة كالاستعارة غير مسلم عند صاحب الكشاف كما قيل أو مأول بأنه لا يفيد المبالغة كإفادتها الاستعارة بل يفيدها دون إفادة الاستعارة . قوله : ( متعلق بيجعلون ) لا بالموت لأنه بعيد وتقديمه عليه ليس له وجه ظاهر ( أي من أجلها يجعلون ) فلفظة من تعليلية بتقدير مضاف أي من أجل إصابتها إذ العلل المعاني لا الذوات ( كقولهم بماء من العيمة ) وهي شدة شهوة اللبن يقال عام إلى اللبن إذا اشتهاه والمعنى سقاه من أجل العيمة بمعنى أنها الباعث عليه فذكر من هنا يغني غناء اللام في المفعول له فقد يكون غاية يقصد حصوله كضربت للتأديب أو من التأديب وقد يكون باعثا على الفعل الذي قبلها كقعدت من الجبن وما نحن فيه من هذا القبيل إذ الصواعق والعيمة أمر باعث بتقدم وجوده ومن التعليلية من متفرعات معنى من الابتدائية إذ العلة منشأ المعلول ومبدؤه ولعل اختيار من على اللام للتنبيه على ذلك وإن من التعليلية كاللام تدخل على الباعث المتقدم كما فيما نحن فيه والغرض المتأخر كقوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا [ مريم : 53 ] أي من أجل رحمتنا والرحمة الإحسان وهو نتيجة الهبة منه مرتب عليها كالتأديب ولم يصب من انكر دخول من على الغرض المتأخر . قوله : ( والصاعقة « 1 » قصفة ) بفتح القاف وسكون الصاد المهملة وبعدها فاء أي شدة قوله : أي من أجلها أي من أجل الصواعق يجعلون حقيقته أن من للابتداء لكن استعملت هنا على سبيل العلية فإن العلة مبدأ المعلول فقوله ضد الموت علة للجعل المعلل العيمة اشتهاء اللبن يقال عام إلى اللبن أي اشتهاه والمراد بها العطش قال صاحب الضوء يروى عن العيمة أي بعده عنها وجاوز بها حكمه إلى الري وإن شئت قلت بمن على معنى شفاه من جهة العيمة . قوله : قصفة رعد قال الجوهري رعد قاصف شديد الصوت والقصف الكسر وفي الكشاف الصاعقة قصفة رعد تنفض معها شقة من نار قالوا ينقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه وهو نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود يحكي أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات بشدة الصوت أو بالإحراق ومنه قوله تعالى : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] تم كلامه تنقض أي تسقط قيل وفي عبارته نظر لأن قصفة الرعد شدة صوته ولا يخفى أن الشقة من النار لا تسقط مع الصوت لأن الصوت عرض لا تسقط لاستحالة انتقال الأعراض عن محالها ولو قال نار تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه كان حسنا ولا حاجة إلى ما قبله فقد قالوا إذا أشرقت الشمس على أرض يابسة تخللت منها أجزاء نارية يخالطها أجزاء أرضية يسمى المركب منهما دخانا ويختلط بالبخار وتتصاعدان معا إلى الطبقة الباردة فينعقد البخار سحابا وانحبس الدخان فيه ويطلب الصعود إن بقي على طبيعته والنزول إن ثقل وكيف كان يمزق السحاب تمزيقا عنيفا فيحدث منه الرعد ثم قد يحصل شدة حركة ومحاكة

--> ( 1 ) القصفة واحد القصف وأصل معناه الكسر وقاصف الرعد أشده يكون صوتا متعاقبا مكسرا .