اسماعيل بن محمد القونوي

290

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

اختير المفرد هنا ( كما أن كل طبقة منها سماء ) وهي سبع كقوله تعالى : سَبْعَ سَماواتٍ [ البقرة : 29 ] الآية وإطلاق السماء على كل طبقة حقيقة لغة وعرفا . قوله : ( ومن بعد أرض بيننا وسماء ) أوله : فأوه لذكرها إذا ما ذكرتها أوه كلمة توجع تستعمل مع اللام ومن اسم فعل مبني على السكون تكون بمعنى أتوجع قال قدس سره توجعت لذكر الحبيبة الأولى أتوجع لذكر الحبيبة ومن بعد ما بيني وبينها من قطعة أرض وقطعة سماء تقابل تلك القطعة الأرضية وهو كما في الكشاف دليل على اطلاق السماء على كل أفق من آفاقها واستشهاد عليه فنكرهما إذ لا يتصور بينهما بعد جميع الأرض ولا قرينة على العهد الخارجي ولا يراد الماهية من حيث هي هي ولما ثبت صحة اطلاقها على كل ناحية وأفق منها جيء بها باللام لإفادة العموم ولو لم يذكر أو ذكر منكرا لم يفهم العموم . عن تعريفه كما في اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فلو قيل اشتعل رأسي شيبا بدون تعريف الرأس باللام حصل الشمول لا في جعل كل أفق سماء ادعاء إذ ح يكون الغرض من التجوز بيان سعة كل أفق وعظمها وهو ليس بمطلوب هنا وإنما المطلوب المبالغة في شمول الغمام للسماء وذكر لفظ السماء يفيد ذلك وإن لم يعرف باللام فإنه لو قيل أو كصيب من سماء الدنيا كان أبلغ في إفادة الشمول من أو كصيب من سحاب فإن قولك اشتعل بيتي نارا أقوى في إفادة شمول الاشتعال لجميع البيت من قولك اشتعل النار في بيتي لا حاجة في إفادة الشمول إلى تعريف البيت باللام فإن جعل مبدأ الصيب السماء دون السحاب هنا مثل الاشتعال إلى الرأس والبيت دون الشيب والنار في المثالين المذكورين فكما نشأ معنى الشمول في هذين المثالين من استناد الاشتعال إلى الرأس والبيت دون الشيب والنار كذلك نشأ معنى الإحاطة والاطباق هنا من نسبة المبدئية إلى السماء دون السحاب للفرق الظاهر بين أمطرت السماء وبين أمطر السحاب فإن الأول أبلغ في الدلالة على عموم المطر وكثرته من الثاني وذلك إنما هو من تخصيص ذلك الجنس الذي هو السماء بالذكر دون الجنس الذي هو السحاب وفي ضمن هذا التخصيص معنى ادماج رد زعم المخالف أيضا برعاية وجه الإيجاز على سبيل الاستتباع فاللام لتعريف الجنس . قوله : ومن بعد أرض بيننا وسماء استشهد به على أن كل أفق من السماء يسمى سماء أول البيت : فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها أوه كلمة توجع من أسماء الأفعال يستعمل مع اللام ومع من قال الجوهري اوه من كذا ساكنة الواو وربما قلبوا الواو ألفا فقالوا اه من كذا وبعضهم يقول اوه بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية المعنى توجع من تذكر الحبيبة ومن بعد أرض تلك الأرض بيننا أي تتخلل الأرض بيني وبين المعشوقة ومن بعد سماء تلك السماء بيننا فالمراد بالأرض بعضها ومن السماء بعضها فإن تنكيرهما للتقليل لأن جميع الأرض والسماء لا يمكن أن يكون بينه وبينها فقد علم أن السماء يطلق في استعمال البلغاء على أفق من الآفاق .