اسماعيل بن محمد القونوي

231

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المشابهة وما وقع في القرآن الكريم من الاستعارة التمثيلية فإطلاق المثل عليها غير مسلم « 1 » محتاج إلى البيان . قوله : ( ولذلك ) أي ولأجل أنه لا يضرب إلا ما فيه غرابة ( حوفظ عليه من التغيير ) قوله : ولا يضرب إلا ما فيه غرابة قال الميداني عن النظام يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام ايجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة قال الطيبي أما الإيجاز فكقوله : رب رمية من غير رام فإن معناه رب رمية مصيبة من رام مخطىء وأما إصابة المعنى فكما في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم إن من البيان لسحرا إذ المعنى أن بعض البيان يعمل عمل السحر لحدة عمله في سامعه وسرعة قبول القلب وأما حسن التشبيه فأن يكون مورد المثل مما له صلاحية التمثل به لحسن موقعه وندرته كما في الحديث المذكور فإنه يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة وأما وجود الكناية وهي أخذ الزبدة والخلاصة عنه فينبغي أن يكون صحيحا مشروطا فيه ما شرط في وجه التشبيه كما في قولهم رب رمية من غير رام فإنه كالعلم لكل من أصاب في شيء ولم يكن أهلا له والغرابة إما أن تكون بحسب المعنى أو بحسب اللفظ أما الأول فأن يرى فيه أثر التناقض أو التنافي ظاهر أمثال الأول وهو أثر التناقض في غير المثل قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : 17 ] أثبت الرمية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأن صورتها وجدت منه عليه الصلاة والسّلام ونفاها لأن أثرها فعل اللّه تعالى فكان اللّه تعالى هو فاعل الرمية على الحقيقة دون النبي عليه الصلاة والسّلام وقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] قال صاحب الكشاف لما فيه من الغرابة وهو أن القصاص قتل وتفوية للحياة وقد جعل ظرفا ومكانا للحياة وفي المثل قول الحكم بن عبد يغوث رب رمية من غير رام أثبت الرمي ونفى الرامي ومثال الثاني وهو أثر التنافي ما روي في الحديث إن من البيان لسحرا حكم بأن بعض البيان سحر والمشبه مباح مندوب والمشبه به حرام محظور وأما الثاني فإما أن تحصل فيه ألفاظ نادرة لا تستعملها العامة نحن قول الحباب بن المنذر أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب يضرب في الجرب الذي يسعى برأيه وعقله الجذيل تصغير الجذل المحكك الذي يتحكك به الإبل الجربى وهو عود ينصب في مبارك الإبل لتتحكك به والعذيق تصغير العذق بفتح العين النخلة والمرجب المعظم من النخل الذي جعل له دعامة بأن يبني حوله من الحجارة من الترجيب وهو التعظيم وذلك إذا كانت النخلة كريمة أو أن يكون فيه حذف واضمار كما في قوله : رب رمية من غير رام أو مراعاة للمشاكلة نحن كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى به فسمي الابتداء جزاء إلى غير ذلك . قوله : ولذلك حافظوا عليه من التغيير الظاهر أن معناه ولأجل اشتراط الغرابة في الأمثال حافظوا عليها من وقوع التغيير فيها إذ لو لم يحافظ عن التغيير فربما فات في التركيب المغير إليه الدلالة على معنى الغرابة والأظهر أن المحافظة على الأمثال وعدم جواز طرئ التغير لها إنما هي لأجل أن المثل استعارة فيجب أن يكون عين اللفظ الدال على المشبه على ما قاله صاحب المفتاح في وجه عدم تغير ألفاظ أمثال قال الفاضل أكمل الدين حوفظ عليه لأنه صار بسبب الغرابة واشتهاره كالعلم لتلك الحال العجيبة الشأن والاعلام لا تتغير .

--> ( 1 ) وكلام صاحب الكشاف في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ [ البقرة : 7 ] حيث قال وجعل الكلام استعارة تمثيلية بناء على تشبيه حال قلوبهم بحال قلوب ختم اللّه عليها محققة أو مقدرة يدل على ما ذكرنا .