اسماعيل بن محمد القونوي

232

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

أي من تغيير لفظ الأول فإنه لو غير ربما انتفت الدلالة على تلك الغرابة قيل الأظهر كما في المفتاح إن المحافظة على المثل إنما هي بسبب كونه استعارة فيجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه به فإن وقع تغيير لم يكن مثلا بل مأخوذا منه وإشارة إليه فلذا لا يلتفت في المثل إلى مضربه تذكيرا وتأنيثا وإفرادا وتثنية وجمعا بل إنما ينظر إلى مورد المثل مثلا إذا طلب رجل شيئا ضيعه قبل ذلك تقول له ضيعت اللبن بالصيف بكسر تاء الخطاب لأن المثل قد ورد في امرأة وإن كان المخاطب هنا مذكرا بل جماعة والشيء الضائع غير اللبن وفي وقت الربيع مثلا وأما إذا قيل ضيعت اللبن بالصيف على لفظ التكلم أو بفتح تاء الخطاب فليس بمثل بل مأخوذ من المثل وإشارة إليه قال النحرير في المطول فلا يكون استعارة فلا يكون مثلا انتهى . وفيه إشكال وإذا قيل ضيعت اللبن بالصيف على لفظ المتكلم والحال أن الشيء الضائع غير اللبن وفي وقت الشتاء هل يكون هذا الكلام استعارة أم لا قال السكاكي في المفتاح إن الاستعارة التمثيلية قد يغير ألفاظها المؤدية لمعناها الحقيقي لأنهم صرحوا بجواز التجوز في مفرداتها انتهى . فعلم منه أنه لا استعارة في التركيب بقي الكلام أنه إذا اعتبر التشبيه في الهيئة التركيبية فماذا يكون شأنها « 1 » ثم إطلاق المثل على اللفظ مع أن المناسبة التي هي المماثلة ليست إلا بين المعنيين من قبيل تسمية الدال باسم المدلول ثم صار حقيقة عرفية فيه . قوله : ( ثم استعير ) أي من المعنى الثاني بمعنى ثالث وهو كل حال الخ . قوله لها شأن وفيها غرابة إشارة إلى العلاقة وهي الغرابة ولهذا لم يجعل مستعارا لها من المعنى الأول لعدم المشابهة وبين المعنى الأول والثاني مناسبة ظاهرة ومن هذا نقل من المعنى الأول أي المعنى اللغوي إلى المعنى الثاني لكن لا بد من النكتة في التعبير في الثاني بقوله ثم قيل للقول وفي الثالث بقوله ثم استعير . قوله : ( لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة ) والمراد بالحال ما يتركب من أمور عديدة متضامة كما أشار إليه بقوله وحالهم العجيبة الخ . وقوله فيما مر جاء بحقيقة قوله : ثم استعير لكل حال الخ لما ذكر أن المثل بمعنى النظير ثم قيل للقول السائر وهذان المعنيان لا يصلحان أن يكونا مرادين ههنا وجب أن يحمل لفظ المثل ههنا على الاستعارة لأن حقيقة المثل على القول السائر المستلزم للغرابة كما ذكر والحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة استلزمتها أيضا فشبهت تلك الحال أو الصفة أو القصة لاتصافها بالغرابة بالمثل فترك المشبه وذلك المشبه به فكانت استعارة تصريحية كاستعارة الأسد للمقدام .

--> ( 1 ) والظاهر أن يكون هذا مثلا برأسه تشبيها لحال المتكلم بحال من صنيع اللبن في الصيف مطلقا وليس فيه من الغرابة ما في تشبيه حاله بحال تلك المرأة من معاملتها مع زوجها السابق وتصوير شأنه بصورة تلك المعاملة كذا قيل لكن لا بد فيه من الغرابة التي اعتبرت في حال من ضيع اللبن في الصيف مطلقا فحينئذ يكون مورد هذه الاستعارة مفروضا وهذا يؤيد ما ذكرناه من أنه إن سلم كون الاستعارة التمثيلية التي في النظم الجليل مثلا يكون المورد فيها مفروضا فليتأمل .