اسماعيل بن محمد القونوي

211

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

عامه بوزن نصر بضم العين وتشديد الميم والمراد بالعمه هنا ليس العمة في البصيرة بل المراد لازمه وهو التحير والتردد وفائدة التوصيف به لمجرد التوضيح لا للاحتراز إذ المراد الجاهلون للمسالك وكم من عاقل كامل ذي بصيرة تامة يجهل ولم يدر بالمسالك ويتحير ويتردد هناك أُولئِكَ الَّذِينَ الآية جملة مستأنفة كان سائلا يقول من أين يقع المنافقون في هذه الورطة الشديدة حتى لا ينفعهم الآيات والنذر فأجيب بأنهم ضيعوا الفطرة السليمة والعقل الصرف فما ربحوا في تجارتهم فبقوا خاسرين وعن الربح آيسين كما أشار إليه المصنف في قوله : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [ البقرة : 16 ] ومن ههنا اختير الفصل على الوصل وصيغة أولئك للتبعيد عن ساحة الخطاب مع الإشارة إلى العتاب والتعبير بالموصول للتعيين بمضمون الصلة مع التنبيه على علة الحكم أي إنما جسروا على ما مر من مثالبهم لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري فاختاروا الضلالة على الهدى وما نقل عنه قدس سره ممن أن الآية تعليل لاستهزائهم الأبلغ والمد في الطغيان على سبيل الاستئناف أو جملة مقررة لقوله : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [ البقرة : 15 ] وجه آخر لكونها مستأنفة لكن التقرير الأول هو المعول عليه فإن تعليل الاستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان إنما هو استهزاؤهم المؤمنين . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 16 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) قوله : ( اختاروها ) أي الضلالة ( عليه ) على الهدى أي الاهتداء ( واستبدلوها به ) ادخل قوله : اختاروها عليه يريد أن الاشتراء مجاز مستعار لمعنى الاختيار والاستبدال لما يجمعها معنى الاعطاء والأخذ ومعناه الحقيقي بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان أو المنافع فإن كان أحد العوضين ناضا أي نقد أو أهل الحجاز يسمون الدراهم والدنانير النض والناض ومنه خذ ما نض لك من دينك أي ما ظهر وتيسر وحصل وفي الحديث خذوا صدقة ما نض من أموالهم وفي الحديث يقتسمان ما نض بينهما من العين أي صار ورقا وعينا بعد أن كان متاعا قال أبو عبيدة وإنما يسمونه ناضا إذا تحول عينا بعد أن كان متاعا قال الطيبي واحصل المبالغة بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان أو المنافع وهي تنقسم إلى مبايعة بناض وإلى مبايعة سلعة بسلعة ويقال في الأول لأخذ السلعة المشتري ولأخذ الناض بايع والثاني يطلق على كل واحد منهما اسم البائع والمشتري ولهذا عد البيع والشراء من الأضداد وما يدخله الباء الثمن والآخر المثمن ثم استعير للاعراض عما في يده محصلا به غيره سواء كان من المعاني أو الأعيان قال أكمل الدين ويمكن أن تكون الاستعارة مكنيا عنها بأن يشبه الضلالة بالمبيع والهدى بالثمن بجامع الاختيار فيهما ثم ترك المشبه به وجعل الشراء قرينة لذلك . قوله : واستبدلوها به فيه نظر لأنهم لم يكونوا على هدى ليستبدلوا الضلالة به والجواب أن تمكنهم منه جعل كالحصول قال صاحب الكشاف فإن قلت كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلت جعلوا لتمكنهم منه وإعراضهم لهم كأنه في أيديهم فإذا تركوه إلى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به لأن الدين القيم هو فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] فكل من