اسماعيل بن محمد القونوي

203

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

على ظاهره عندنا لما مر من أن الممكنات بأسرها مستندة إليه تعالى واقعة بقدرته فلهذا أسند المد إليه تعالى ههنا وأما إسناده في قوله تعالى : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [ الأعراف : 202 ] إلى الشياطين فلكونهم أسبابا له والمعتزلة لأصلهم الفاسد وهو أن القبائح لا تسند إليه تعالى حقيقة اضطربت وحاولوا تأويل النظم الجليل ( وقالوا ) في توجيهه ثلاثة أوجه الأول ما أشار إليه بقوله ( لما منعهم اللّه تعالى ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم وسدهم طريق التوفيق على أنفسهم ) قوله ( فتزايدت بسببه ) فيكون المد في الطغيان مجازا عن تزايد رين ( قلوبهم ) المسبب عن منع الإلطاف المسبب عن كفرهم ( رينا وظلمة ) فكما أن المسند أي المد يكون مجازا كذلك يكون إسناده إليه تعالى بطريق الإيجاد وهم فاعلون في الحقيقة مجازا عقليا بكونه مسببا عن فعله تعالى بسبب إصرارهم على الكفر وهذا التقرير موافق لما قرره صاحب الكشاف ولبعضهم هنا توجيه آخر حاصله أن ليس فعل حقيقي بل هو وهمي محض فهو مجاز عقلي ليس له حقيقة عقلية انتهى . والظاهر إنه بناء على وهم ضعيف مخالف لصريح كلام الكشاف ( تزايدت قلوب المؤمنين انشراحا ونورا ) . بعضهم يمد بالمد في العمد وهو الإملاء والإمهال فمعنى يَمُدُّهُمْ [ البقرة : 15 ] يطول عمرهم ليتنبهوا ويطيعوا فما ازدادوا إلا طغيانا والزمخشري جعله من المدد دون المد واستدل على ذلك بقراءة ابن كثير وابن محيصين ويمدهم بضم الياء من الإمداد وهو والمد بمعنى يقال مد الجيش وامده إذا زاده وكذلك قراءة نافع في قوله تعالى : وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ [ الأعراف : 202 ] واستدل أيضا بأن الذي بمعنى أمهله يعدى باللام يقال مد له كأملي له واعترض عليه بأنه جاز أن يعدى الفعل بنفسه بعد حذف اللام والجواب أن ذلك محمل إذا لم يوجد أحسن منه وأكمل على ما لا حذف فيه أحسن لا محالة ولما اختار ذلك ورد عليه ما هرب منه فأجاب بأوجه الأول ما قال لما منعهم اللّه الطافه التي يمنحها المؤمنين الخ وهو فاسد أما أولا فلأنه جعل منع الالطاف بسبب الكفر والإصرار عليه ولا شك أن الكفر والإصرار عليه بسبب منع الألطاف فكان دورا وأما ثانيا فلأن قوله بقيت قلوبهم بتزايد الرين والظلمة فيها مناف لقوله في السؤال وهو فعل الشيطان فإن تزايد الرين حادث لا محالة فلا بد له من محدث وهو لا يجوزون أن يكون محدثه اللّه والشيطان ليس بقادر على خلق شيء في العبد وإلا لجاز أن يقال كل ما صدر من العبد من شر فهو مخلوق الشيطان دفعا للتحكم وهم ليسوا بقائلين به بل الشيطان مغو بوسوسته فتعين أن يكون محدثه العبد وهو مناقض لقوله وهم فعل الشيطان وأما ثالثا فلأن قوله فسمي ذلك التزايد مددا غير صحيح لأن المدد اسم لما يمد به الشيء والتزايد مصدر وكان الصحيح أن يقال فسمي ذلك التزايد مدا وما زاد من الرين مددا والثاني قوله أو أسند إلى اللّه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم وهو ليس بصحيح لأن فعله بهم إن كان منع الالطاف على تقدير جواز أن يسمى المنع فعلا فهو الوجه الأول وإن كان خلق زيادة الطغيان فخلقها كخلقه وهم ينكرونه وإن كان العقاب الأجل فالمد ليس مسببا عنه وإن كان هتك الاستار وكشف الأسرار فكذلك وإن كان غير ذلك فليس بمعهود فلا بد من البيان ليظهر زيفه . قوله : وأما على منع القسر والإلجاء وهو أيضا كذلك وقد تقدم بيانه في تفسير خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] بان لقائل أن يقول لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن إلى آخر ما ذكره