اسماعيل بن محمد القونوي
139
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( فإن المنافق متحير متردد ) قال اللّه تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ [ النساء : 143 ] أي مترددين بين الإيمان والكفر والمعنى المناسب للمقام هو المعنى اللازم للكذب فإن كذبهم من جملة خداعهم بخلاف التكذيب ولما كان كذبهم أساس مخادعتهم خص الكذب بالذكر . قوله : ( والكذب هو الخبر عن الشيء ) الخبر هنا بمعنى الإخبار بقرينة تعديته بعن لا الخبر بمعنى الكلام المشتمل على نسبة تامة ولنسبة خارج تطابقه أو لا تطابقه فإنه مع عدم تعديته بعن فيه شائبة الدور فيكون الكذب هنا وصف المتكلم لا الكلام وإن استلزمه فمعنى قوله فيما سبق وهو قولهم آمَنَّا إخبارهم بذلك ومعنى قوله ( على خلاف ما هو به ) أي ما هو ملتبس به في الواقع ونفس الأمر وهو مذهب الجمهور وعند أهل السنة هو المشهور ولا يراد اعتقاد المخاطب لأنه مذهب المعتزلة ولا يسوغ اعتباره في كلام أهل السنة فقول بعضهم أو في اعتقاد المخاطب وفي ذهنه فكلامه صادق على المذاهب كلها ففيه إيجاز حسن انتهى إطناب قبيح . قوله : ( وهو حرام كله ) وما ساغ منه في ثلاث مواطن كما ورد في الحديث الشريف بجوازه في ثلاث مواطن في الحرب وإصلاح ذات البين وكذب الرجل لامرأته ليرضيها لا ينافي ذلك فإن هذا من قبيل مباح المحرمات عند الضرورات وعليه يحمل ما ثبت في الكتب الشافعية إن من الكذب ما هو حرام وما هو مباح وما هو مندوب وما هو واجب فإن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب فالكذب فيه حرام لعدم الحاجة إليه وإن لم يمكن إلا بالكذب فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المق مباحا وواجب إن كان واجبا فلو اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه وكذا لو سأل عن ماله ليأخذه ولو استحلفه لزمه أن يحلف ويورى « 1 » في يمينه وكذا في كل مقصود فلا يختص بالصور الثلاث الواردة في الحديث بل ينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضررا فله الكذب وإن كان عكسه أو شك حرم عليه الكذب انتهى ما نقل البعض عن الإمام الغزالي والنووي ملخصا وسره ما قاله المصنف في قوله تعالى : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] الآية ومبني ذلك على أنه متى تعارض ضرران يجب تحمل أهونهما لرفع أعظمهما وهو أصل ممهد غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة فما قيل وقيل إن معنى الكلية في كلام المصنف إن الكذب حرام من حيث ذاته مطلقا وقد يكون مباحا من حيث وصفه كما في الصور المذكورة هو وهم على وهم فإنه مع مخالفته لمذهبه مبني على الاعتزال سهو فاحش لأنه إن أراد بقوله فإنه مع مخالفته لمذهبه أن مذهبه أن الكذب يكون مباحا بل يكون واجبا من حيث ذاته فلا شك في فساده بل يخشى منه أمر عظيم لأنه ذنب جسيم وإن أراد أن مذهبه إباحة الكذب
--> ( 1 ) ويورى من التورية أي أراد في يمينه ما كان صادقا فيه ولم ينو ما استحلفه عليه .