اسماعيل بن محمد القونوي
140
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لدفع ضرر فهو عين ما قاله القيل وما نقله عن الغزالي والنووي يؤيد ذلك بل مصرح في موضعه إن الكذب حرام في جميع الأديان غايته أنه قد يكون جائزا لضرورة كأكل الميتة ولحم الخنزير فإنه جائز لوقت الاضطرار فهل يمكن لأحد أن يقول أكل الميتة مثلا قد يكون حراما وقد يكون جائزا حتى يكون واجبا من حيث ذاته فما معنى قوله إن هذا القول وهم على وهم مع أنه در على حرير وهذا أمر يتحير منه العاقل النحرير وأيضا قوله مبني على الاعتزال خروج عن الاعتدال لأن المصنف وجميع أهل السنة يحكمون على قبح الكذب بحكم الشرع والمعتزلة يحكمونه بالعقل فمن أين يعرف من حكمه بقبحه وحرمته أنه بني على مذهب المعتزلة ولا أعرف خلافا فيما ذكرناه من أن الكذب حرام من حيث ذاته بلا عارض مبيح له وجائز عند مساس الحاجة كبعض سائر المحرمات وقوله وما روي أن إبراهيم عليه السّلام الخ فيه إشارة إلى أن المعاريض حين أبيح الكذب أولى من صريح الكذب ومن ههنا قيل إن المعاريض لمندوحة عن الكذب مع التنبيه على جواز الكذب وقت الضرورة . قوله : ( لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب عليه ) وهذا إشارة إلى اختيار كون الباء في بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ البقرة : 10 ] للسببية إذ انفهام التعليل من كونها للبدلية مشكل وهذا ظاهر على قراءة عاصم وحمزة والكسائي وأما على قراءة الباقين بناء على أنهم كاذبون في تكذيبهم هذا إذ لولاه لما علل استحقاق العذاب بالكذب وأما الحال في كثرة كذبهم فخال عن الإشكال وأما ترددهم في الدين وتحيرهم فراجع إلى التكذيب كما لا يخفى على اللبيب وهذا إشارة إلى ما ذكره صاحب الكشاف وتخييل أن العذاب لا حق بهم من أجل كذبهم ونحوه قوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [ نوح : 25 ] الآية الخ وفيه تحريض للمؤمنين على ما هم عليه من الصدق والتصديق بسبب أن ترتب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو أخبث الكفر تغليظ اسم الكذب وبيان كمال سماجته وفيه مبالغة في الزجر عنه وترغيب إلى الانزجار وضمير رتب عليه راجع إلى الكذب المذكور وهو كذب الرسول عليه السّلام وهو أعظم أنواع الكذب قبحا بعد الكذب على اللّه تعالى وعلى رسوله عليه السّلام وفهم قبح سائر الكذب ما لم تمس الحاجة إليه ولهذا قال المصنف وهو حرام كله مع أن ترتب العذاب على كذبهم على الرسول عليه السّلام ونفاقهم والمراد بترتبه عليه أنه مسبب عنه . قوله : ( وما روي أن إبراهيم عليه السّلام ) جواب سؤال مقدر بأن الكذب لو كان قوله : علل به استحقاق العذاب لم يقل ثبوت العذاب مع أن معنى قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ [ البقرة : 7 ] بثبوت العذاب لهم لأن العذاب الأليم ليس ثابتا لهم وقت الإخبار به بل ذلك في الآخرة وإنما لهم في هذه النشأة الأولى استحقاق العذاب وهذا هو المعنى بقوله في تفسير وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [ البقرة : 10 ] وعيد وبيان لما يستحقونه . قوله : وما روي أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات الخ هذا جواب لما عسى يسأل ويقال إذا كان الكذب كله حراما فكيف كذب إبراهيم كذبات ثلاثة الأولى قوله : إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 89 ]