اسماعيل بن محمد القونوي

113

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فيهما الخداع فسميا بذلك فحينئذ يكونان مأخوذين من الخدع بمعنى اللغوي وهو وجه جيد « 1 » لكن لا يلائم كلام المصنف . قوله : ( والمخادعة تكون بين اثنين ) إذ المفاعلة يقتضي أن يفعل كل أحد بالآخر مثل ما يفعل به بحيث يكون أحدهما فاعلا صريحا والآخر مفعولا صريحا ويجيء العكس ضمنا فيكون كل من المخادعين مخدوعا لصاحبه وهذا المعنى الحقيقي ليس بمتصور هنا ومن هذا حاول توجيهه فقال وخداعهم مع اللّه تعالى . قوله : ( وخداعهم مع اللّه ليس على ظاهره ) إذ لا يخفى على أحد أن خدعة المنافقين قوله : وخداعهم مع اللّه ليس على ظاهره لما كان معنى الخداع دائرا على معنى الاخفاء وايصال المكروه لمن يخادع وكان لا يصح تعلقه بعالم السر والخفيات والعزيز الذي يغلب ولا يغلب صرفه عين ظاهره بحمله على المجاز فالتجوز في الوجه الأول في التعلق لا في الخداع وفي الوجه الثاني في الخداع لا في التعلق حيث استعمل على طريقة الاستعارة التبعية التمثيلية والتعلق حقيقي لكن الوجه الأول على طريقين الأول على حذف مضافه والثاني لا على حذفه وتمام التحقيق هنا أن قوله وخداعهم مع اللّه ليس على ظاهره بعد قوله والمخادعة تكون بين اثنين إشارة إلى أن صيغة المفاعلة مشعرة بصدور المخادعة من الجانبين وهو لا يجوز في هذا المقام لأن اللّه تعالى لا يخدع ولا يخدع أما أنه تعالى لا يخدع فلأن الغني الغالب على أمره لا يخدع لعدم احتياجه في تنفيذ ما أراده إلى الخداع وأما أنه لا يخدع فلأن العليم الذي لا يخفى عليه شيء لا يخدع وكذلك مخادعة المؤمنين لا تصح لأن صفة الإيمان تأبى أن تجتمع مع الخديعة في موصوف به وإن كانوا يخدعون فقد جاء وصفهم بالانخداع على طريق المدح دون الخدع فإن الانخداع على نوعين أحدهما أن ينخدع ولا يعلم أنه منخدع وذلك من البله والثاني أن ينخدع ويعلم أنه منخدع وذلك من كرم النفس قيل كان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه كلما صلى عبد من عبيده وأحسن قراءته اعتقه فقيل له يخدعونك فقال من خادعنا باللّه ننخدع فلما استحال الخدع من الجانبين صرف عن ظاهره فصير إلى المجاز وذكر في الكشاف وجهين آخرين الأول أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن اللّه ممن يصح خداعه لأن من كان ادعاؤه الإيمان باللّه تعالى نفاقا لم يكن عارفا باللّه وبصفاته ولا أن لذاته تعلقا بكل معلوم ولا أنه غني عن فعل القبائح فلم يبعد من مثله تجويز أن يكون اللّه في زعمه مخدوعا ومصابا لمكروه من وجه خفي وتجويز أن يدلس على عباده ويخدعهم تم كلامه فعلى هذا يكون الخداع حقيقة لغوية لأنهم قصدوا به الحقيقة ح والثاني أن يكون هذا من قولهم أعجبني زيد وكرمه فيكون المعنى يخادعون الذين آمنوا باللّه وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص ولما كان المؤمنون من اللّه بمكان سلك بهم ذلك المسلك ومثله واللّه ورسوله أحق أن يرضوه وكذلك : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الأحزاب : 57 ] تم كلامه فعلى هذا التقرير يتحد البدل والمبدل منه من حيث التوطئة والتمهيد والتفسير والتأكيد ويفترق من حيث إن المبدل في حكم المنجز فإن المعطوف عليه مقصود بالذكر ومراد بالحكم فكان لذات زيد أيضا مدخل في الاعجاب .

--> ( 1 ) فإن أخذه من المخدع بمعنى الإخفاء يرد عليه ظاهرا أن أكثر العروق مختف فليسم الأخدع ويجاب بأن الاطراد ليس بلازم في وجه التسمية .