اسماعيل بن محمد القونوي

507

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

علم لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف ولا يطلق في وصف الحق سبحانه وتعالى لعدم التوقيف كذا قيل فعلى هذا عدم إطلاقه على اللّه تعالى لعدم السمع من الشارع وهذا وإن كان مرادفا للعلم لكن لا يثبت من إطلاق أحد المترادفين صحة إطلاق المرادف الآخر واستوضح بالجواد والسخي فإن الثاني لا يصح إطلاقه على اللّه تعالى مع صحة الجواد الذي يرادفه لأن الجواد مسموع من الشارع دون السخي فكذا هنا وأما على ما اختاره المصنف فعدم إطلاقه لإشعار النقص إذ نفي الشك بالاستدلال معتبر فيه ولا ريب في عدم الصحة فلا وجه للاعتراض على المصنف بمذهب آخر قال في الأحياء اليقين مشترك بين المعنيين الأول عدم الشك فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر أو حس أو غريزة عقل أو بتواتر كوجود مكة أو دليل وهذا لا يتفاوت قوة وضعفا والثاني وهو ما صرح به الفقهاء والصوفية وكثير من العلماء وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب فكل ما غلب على القلب واستولى عليه فهو يقين وتفاوت هذا قوة وضعفا ظاهر انتهى . وهذا المعنى الأخير عند العلماء غير متعارف إذ ظاهره يناسب الظن قوله واليقين إشارة إلى أن الإيقان واليقين متحدان لا فرق بينهما فمن « 1 » وهم الفرق فقد وهم ثم قوله ولذلك لا يوصف به علم الباري فيه سوء إيهام فإنه يوهم أنه إن فسر اليقين بغير ما ذكر يوصف علم الباري به وقد عرفت أنه لا يصح إطلاقه عليه تعالى بأي معنى كان فالأولى الاكتفاء بالعلم الضروري والمراد بالضروري إن كان البديهي الأول فإنه قد يفسر به فيكون مراد قاله فلا يرد على المصنف أنه فسر في قوله تعالى : عَيْنَ الْيَقِينِ [ التكاثر : 7 ] بالرؤية التي هي نفس اليقين فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين فجعل المشاهد المحسوس يقينيا وهو من الضروري إذ المشاهد المذكور ليس من الضروري المراد هنا فلا تناقض بين كلاميه وإن أريد به مطلق الضروري الشامل للأوليات والحدسيات والمتواترات وغيرها كما هو المشهور فكلامه هنا بناء على اصطلاح وكلامه هناك مبني على اصطلاح آخر فلا تناقض أيضا وأما الاعتراض بأنه لا حاجة إلى اعتبار الاستدلال في الآية لأنه لو حصل الإيمان بالآخرة بالحس والمشاهدة كان في أعلى مرتبة التقوى ولا يتوقف على الاستدلال فضعيف جدا إذ الآخرة من الغيب الذي لا يقتضيه بديهة العقل ولا يدرك بالحس فهذه النشأة لا يدرك فيها الآخرة بالحس ولو فرض وقوعه في حال التكليف لا يقبل وأما الحس والمشاهدة لأرباب التقوى من المرتبة العليا فمحمول على التشبيه لا على الحقيقة وأجيب أيضا بأن اعتبار الاستدلال لكون الكلام في مدح الكتاب وكونه دليلا للإيمان وأمر الآخرة نعم قد لا يتوقف التقوى على الاستدلال بل قد يحصل بالإلهام مثلا لكن الكلام

--> ( 1 ) قال الفاضل عبد الرحمن الآمدي اليقين المعرف ههنا بمعنى الإيقان يؤيد ذلك أن صاحب الكشاف قال والإيقان اتقان العلم أي لا اليقين بمعنى الاعتقاد وأيضا الواقع في التنزيل المحتاج إلى التعريف إنما هو الايقان فيكون الايقان تحصيل اليقين بالدليل واليقين يكون عاما فلا يرد شيء على القاضي انتهى وكأن الفاضل لم ينظر إلى قول المصنف ولذلك لا يوصف به علم الباري فإنه صريح في الايقان واليقين كلاهما بمعنى الاعتقاد فإضافة الاتقان إلى العلم إضافة الصفة إلى الموصوف أي العلم المتقن .