اسماعيل بن محمد القونوي
508
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
مبني على الأغلب وهو حصوله بالاستدلال بالكتاب انتهى . وفيه ما فيه إذ الإلهام ليس من أسباب العلم لغير الأنبياء عليهم السّلام « 1 » ( ولذلك لا يوصف به علم الباري تعالى ولا العلوم الضرورية ) . قوله : ( والآخرة تأنيث الآخر ) اسم فاعل من آخر الثاني بمعنى تأخر وإن لم يستعمل ولم يسمع من العرب كما أن الآخر بفتح الخاء اسم تفضيل منه صفة الدار أي في الأصل ( صفة الدار ) إذ الآخرة على ما عرفت اسم فاعل وصفة فلا بد له من موصوف إما الدار مذكور أو النشأة ( بدليل قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ [ العنكبوت : 20 ] وما اختاره المصنف أكثر وقوعا في القرآن وهذا باعتبار وقوعها في القرآن وإلا فموصوفها قد يكون غير الدار أيضا ( فغلبت ) بفتح اللام وتخفيفها ( كالدنيا ) فإنها في الأصل صفة بمعنى القربى من الدنو أي القرب أو الدني من الدناءة وعلى المعنى الأول قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا [ الملك : 5 ] الآية . وقوله تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا [ آل عمران : 185 ] يحتمل المعنيين أي الحياة القربى أو الحياة الدنية الفانية الفارغة ثم غلبت على هذه الدار الدنية الفانية فإذا لم يذكر معهما موصوفهما يراد بهما الدار الآخرة الباقية والدار العاجلة الزائلة ما لم توجد قرينة على خلافه والغلبة تكون في الأسماء كالبيت على الكعبة كما سيجيء وفي الصفات كالرحمن وفي المعاني كالخوض بمعنى مطلق الشروع غلب على الشروع في الباطل خاصة وغلبة الوصف قد تكون على موصوف قوله : فغلبت إلى غلب استعمالها اسما للدار لا مطلقا بل من حيث اتصافها بالأخروية وكذا لفظ الدنيا فإنه في الأصل موضوع للصفة لكن غلب استعماله اسما للدار من حيث إنها متصفة بالدنو وفي الكشاف وهي من الصفات الغالبة قال في المفصل الغلبة تكون في الأسماء كالبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه وقد تكون في الصفات كالرحمن والرب دون إضافته إلى الباري عز وجل وقد تكون في المعاني كالخوض على الشروع في الباطل خاصة تريد إن الغلبة هنا في الصفات وكذا الدنيا ثم إنهما مع الغلبة المذكورة جريا مجرى الأسماء لما حذف موصوفهما ولم يستعمل بهما كما قيل في سعي الدنيا ظالما قد مدت أقول المعتبر في مفهوم الصفات سواء كانت غالبة ولا شيء له صفة لا ذات مخصوصة مع صفة والمراد هنا دار لها صفة فالوجه أن يكونا من قبيل الصفات الغالبة في الاسمية ولا يضر في اسميتها اعتبار معنى الصفة فيهما فإن أسماء الزمان والمكان والآلة من قبيل الأسماء مع أن فيها معاني الصفات كالمسجد والمفتاح كذا هذان اللفظان غلبا في نفس الدار مع اعتبار صفة الدنو والتأخر ولذا لم يذكر معهما الموصوف في الاستعمال إلا قليلا نحو السماء الدنيا وتلك الدار الآخرة حين استعمال الموصوف معهما يكون المراد بهما معنى الصفة على الأصل فهما في كونهما من الصفات الغالبة المستعملة اسما مثل الصعق والعيوق والآخر نقيض الأول لأن معناه الأخير من أخر بمعنى تأخر وإن لم يستعمل آخر كما أن الآخر بفتح الخاء أفعل منه والأول أفعل أصله أوال فقلبت الهمزة واو فأدغمت فيه الواو الأولى .
--> ( 1 ) قال البغوي الايقان العلم وقيل العلم بالاستدلال وفي اللباب أيقن بمعنى استيقن الايقان هو العلم وما ذكره الآمدي غير متعارف .