اسماعيل بن محمد القونوي
506
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وأنه قصر الصفة على الموصوف والأول قصر الموصوف على الصفة كما أشرنا إليه في أثناء التقرير ولغرض التعريض ذكر . وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ مع أنه داخل في عموم ما أنزل والنكتة المشهورة في عطف الخاص على العام هي أن الإيمان بالآخرة سبب لإيمان ما عداها قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ الأنعام : 92 ] الآية فبهذه الحيثية يكون لها شأن وفخامة ولا يضره شرافة سائر المؤمن به عليها وغرض التعريض يؤيده . قوله : ( واليقين إتقان العلم ) بالتاء المنقوطة المثناة من فوق وهو الصحيح وفي بعض النسخ بالياء المثناة من تحت فلا وجه له إذ فيه شائبة المصادرة ( بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال ) وهذا مذهب البعض واختاره المصنف وبعضهم عرفوا بالاعتقاد الجازم الثابت بحيث لا يزول بتشكيك مشكك المطابق وهو المشهور بين أئمة الأصول والكلام فيتناوله وغيره لكن لا يتناول التصور وبعضهم اختاروا كالإمام النسفي هو العلم الذي « 1 » لا يحتمل النقيض مطلقا فيتناول التصور أيضا وقال الإمام القشيري في كتاب مقامات الصوفية اليقين قوله : واليقين إيقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال ولذلك لم يوصف به علم الباري تعالى ولا العلم الضروري قال الإمام يقال تيقنت أن السماء فوقي ويقال تيقنت ما أردته بكلامك وقال الراغب اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتهما يقال علم يقين ولا يقال معرفة يقين وهو سكون النفس مع ثبات الحكم يقال استيقن وأيقن أقول قول المص هذا يناقض ما ذكره في سورة التكاثر قال هناك فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين فإنه تصريح بأن المشاهدات من اليقينيات وهي علوم ضرورية وقد قال هنا اليقين لم يوصف به العلم الضروري ولعل ما ذكره هناك بناء على ما فصله حجة الإسلام وفي الأحياء من أن اليقين لفظ مشترك يطلقه فريقان لمعنيين مختلفين أما النظار والمتكلمون فيعنون به عدم الشك ثم قال وكل علم حصل على هذا الوجه يسمى يقينا سواء حصل بنظر أو حصل بحس أو بغريزة العقل كالعلم باستحالة حادث بلا سبب أو بتواتر كالعلم بوجود مكة أو بتجربة كالعلم بأن المطبوخ مسهل أو بدليل ذكرناه فشرط اطلاق الاسم عندهم عدم الشك فكل علم لا شك فيه يسمى يقينا عند هؤلاء وعلى هذا لا يوصف اليقين بالضعف إذ لا تفاوت في نفي الشك ثم قال الاصطلاح الثاني للفقهاء والمتصوفة وأكثر العلماء وهو أن لا يلتفت فيه إلى اعتبار التجويز والشك بل إلى استيلائه وغلبته على القلب حتى يقال فلان ضعيف اليقين بالموت مع أنه لا يشك فيه ويقال قوي اليقين في اتيان الرزق مع أنه قد يجوز أنه لا يأتيه فمهما مالت النفس إلى التصديق بشيء وغلب ذلك على القلب واستولى حتى صار هو المتحكم والمتصرف في النفس بالتحريض والمنع سمي ذلك يقينا ولا شك أن الناس مشتركون في القطع بالموت والانفكاك عن الشك ولكن فهم من لا يلتفت إليه وإلى الاستعداد له وكأنه غير موقن به وفهم من استولى ذلك على قلبه حتى استغرق همه بالاستعداد له ولم يغادر فيه متسعا لغير فيعبر عن مثل هذه الحالة بقوة اليقين ولذلك قال بعضهم ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت وعلى هذا الاصطلاح يوصف اليقين بالضعف والقوة .
--> ( 1 ) إذ المراد العلم الذي من شأنه أن يتطرق إليه الشك والشبهة إذا انتفيا عنه كان ايقانا ولا ريب أن علمه تعالى ليس من شأنه أن يتطرق إليه الشك .