اسماعيل بن محمد القونوي
496
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أن المعطوف إما أن يكون مباينا للمعطوف عليه بالذات أولا وعلى الأول إما أن يكون المعطوف عليه الذين يؤمنون بالغيب وهو الوجه الأول أو المتقين وهو الوجه الثاني وعلى الثاني إما أن يكون متحدا بالمعطوف عليه بالذات وهو الوجه الثالث أو طائفة منه وهو الرابع فعلى هذا تعريف الموصول للجنس في الأول وفي الثاني للعهد إذ المراد من الأول مطلق من آمن بالغيب سواء كان عن شرك وإنكار أولا فيدخل فيهم ( وهم مؤمنو أهل الكتاب ) فيكون عطف الموصول الثاني على الأول عطف الخاص على العام والنكتة الشائعة فيه متحققة وإلى ذلك أشار بقوله ( ذكرهم مخصصين ) بفتح الصاد الأولى ( عن الجملة ) وفي هذا الوجه يدخل في الإيمان بالغيب إيمان ما يدركه العقل وإيمان ما لا طريق إليه غير السمع فلا يرام فيه تغاير الصفات بل يطلب تغاير الذوات تأويلا وادعاء كما أشار إليه ( كذكر جبرائيل وميكائيل بعد الملائكة ) فإنهما لكمال قربهما ورفعة منزلتهما عند ذي العرش كأنهما نوع آخر مغاير لجنس الملائكة وأعلى منه كذلك مؤمنو أهل الكتاب لإحرازهم الإيمانين والأجرين عليهما كأنهم مغايرون لجنس سائر المؤمنين بالغيب وأعلى منهم من هذه الجهة فحسن العطف بهذا التغاير الاعتباري فلا يلزم التفصيل على الخلفاء الراشدين وسائر عظماء الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين لما سبق من أن المفضول قد يكون له فضل لم يوجد في الفاضل كفضل الغائبين بالإيمان بالغيب كما مر من حديث ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه فلا إشكال قطعا ( قوله تعظيما لشأنهم ) أي من هذا الوجه لا من كل وجه وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن المراد أهل الكتاب أدركوا الإسلام وآمنوا بالنبي عليه السلام وكان إيمانهم السابق معتدا به بسببه ( وترغيبا لأمثالهم ) أي من الذين آمنوا بالكتب السابقة ولم يؤمنوا بالقرآن في الإيمان به حتى أحرزوا بهذا الشرف كما مدح به السلف . قوله : ( والإنزال ) الفرق بين التنزيل والإنزال أن الأول ( تحريك الشيء من علو إلى سفل ) على سبيل التدريج إذ صيغة التفعيل تدل على الكثرة والكثرة هنا في الفعل وذلك لا يكون إلا بالتدريج بخلاف الإنزال فإنه أعم من أن يكون تدريجا كقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [ النساء : 105 ] الآية أو دفعة كقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ [ المائدة : 44 ] الآية لكن في اللغة لم يفرق بينهما واستعمال التنزيل في قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جملة واحدة إما على معنى اللغة أو المجازي واختير هنا الإنزال في الموضعين لعموم التدريج وغيره . قوله : ( وهو إنما يلحق بالمعاني ) المعاني هنا مقابل للذات أي القائم بالغير والذات مع دخولهم في الأولين تشريفا لهم وتعظيما حيث جمعوا الإيمانين أعني الإيمان بالقرآن والإيمان بالكتاب الإلهية المتقدمة بخلاف من آمن بالقرآن من أهل الشرك فإنه إيمانه بالكتاب المقدم عليه أصالة بل إنما هو في ضمن إيمانه بالقرآن المصدق لما تقدمه وترغيبا لغيرهم ممن آمن بالكتب السابقة دون القرآن أن يؤمنوا بالقرآن أيضا كما آمن هؤلاء الكتابيون . قوله : وهو إنما يلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها هذا جواب اتصافه بالنزول