اسماعيل بن محمد القونوي
493
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
وتلقني يشدني أجرد متقدم البركة كالراكب يعني يا ابن زيابة أنت إن تجدني لا تجدني راعي الأنعام في المراعي البعيدة مثلك بل تجدني بخلافه والعازب من عزبت الإبل إذ بعدت في المرعى فأجاب يا لهف زيابة الخ أي يا حسرة أبي وأمي من أجل ذلك الرجل من الصفات فإنه صابح أي مغير صباحا وغانم وآيب راجع سالم قيل ذلك حقيقة على تقدير حصول تلك الصفات للحارث وتهكم على تقدير عدم حصولها إذ الحارث توعد لابن زيابة بالقتل ثم نكص عن حرابه ولما كانت الغنيمة تعقب الغارة والإياب يعقبها عطف بالفاء ففهم منه أن العطف بتغاير الصفات يكون بالفاء كالواو ونحوه . قوله : ( على معنى أنهم ) متعلق بقوله وسط الخ لما ادعى أولا أن العطف بتغاير الصفات والظاهر أنه لا تغاير هنا في الصفات فإن متعلق التصديق في كلام المقامين واحد حتى قال بعضهم فظهر أن ما فصل بقوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الآية بعينه ما عبر عنه إجمالا بقوله تعالى : بِالْغَيْبِ الآية حاول مغايرته لما قبله فقال على معنى أنهم الخ فبين أن متعلق التصديق في الأول ما يدركه العقل جملة وفي المعطوف متعلقه ما لا طريق إليه غير السمع فهذه الصفة تغاير تلك الصفة وعداه بعلى للإشارة إلى ما وقع التوسيط عليه من الوجه المخصوص به كما يقال بنيت الدار على طبقتين فيعدى بعلى لأسلوبه الخاص كذا قيل نقلا عن المحقق الدواني ( الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة ) كتوحيد اللّه تعالى وسائر صفاته العلية ( والإتيان بما يصدقه ) عطف على الإيمان والضمير إليه تصديق الفرع بالأصل فإن العبادة فرع الإيمان بوجوده تعالى لكنها إمارة على وجوه التصديق دالة فيما يحصل له من المراد والاتصاف بهذه الأوصاف التي وقعت بعضها عقيب بعض من الصبح والغنيمة والإياب الصابح الإغارة صباحا أي الذي صبح فغنم فآب فالعطف بالفاء للدلالة على الترتيب في الاتصاف بهذه الأوصاف فعلى هذا يكون الكلام محمولا على الاستهزاء والتهكم لأن الحارث توعد ابن زيابة بالقتل ثم نكص عن جوابه وقيل الكلام محمول على ظاهره ليس صادرا على قصد التهكم هذا ولكون حمل معنى العطف على تغاير الذوات اظهر آخر رحمه اللّه هذا الوجه عن الوجه الأول وكون دلالة العطف بالواو على تغاير الذوات اظهر إنما هو إذا توسطت الواو بين الألفاظ الدالة على الذوات أو الدالة على الذوات الموصوفات بالصفات المتعددة وأما إذا توسطت بين صفتين بدون إعادة لفظ دال على الذات كالموصول فالظاهر فيه تغاير الصفات نحو زيد كاتب وشاعر ومنجم بخلاف الذي هو شاعر والذي هو منجم فإن الظاهر في أمثاله تغاير الذوات ويحتمل أن يحمل على تغاير الصفات فيما يصلح فيه الحمل على الأمرين احتمالا مرجوحا كما في هذا المقام إلا إذا قامت قرينة على استرجاح تغاير الصفات . قوله : على معنى أنهم جامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة الخ يعني أن معنى الجمع المستفاد من الواو المتوسطة بين المعطوف راجع إلى جمع معاني الصفات التي نضمها مفهوما هما وهي في طرف المعطوف عليهم الإيمان بالغيب وفعله ما يصدق ذلك من إقامة الصلاة والإنفاق وفي طرف المعطوف التصديق بما أنزل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وبما أنزل قبله إلى الأنبياء الماضين عليهم الصلاة والسلام وقوله جملة ناظر إلى أن يكون بالغيب حالا ومفعولا يؤمنون محذوفا على قصد العموم .