اسماعيل بن محمد القونوي
494
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
عليه وهذا معنى تصديق العبادة للإيمان والإيمان مصدق لها بمعنى أن الإيمان سبب لصحتها ووجودها شرعا فلا محذور ولا يخفى أن الإتيان بما يصدقه فرع الإيمان بما لا طريق إليه غير السمع وهو أحرى بأن يصدقه ذلك الإتيان ولا يخفى عليك إن ذكر الشيء لا ينافي ما عداه فالإتيان المذكور مصدق لهما وجه التخصيص بالأول لسبق ذكره وأيضا أن الإيمان بالغيب أهم وأعظم لكون الثاني موقوفا عليه فإن العقل مقدم على النقل فبيان مصدقه أولى وبهذا ظهر وجه الفصل بين الآيتين بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ( من العبادات البدنية ) كالصلاة المفهومة من قوله : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [ البقرة : 3 ] وفي إيراد الجمع إشارة إلى أن المراد بإقامة الصلاة أداء ( و ) جميع العبادات البدنية والزكاة المدلول عليها بقوله : وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [ المائدة : 55 ] وهي عبارة عن إتيان جميع العبادات ( المالية ) وقد سبق توضيحه ( وبين الإيمان بما لا طريق إليه غير السمع ) وقد أشار إلى تغاير المتعاطفين بوجهين بعد تغاير مفهومهما الأول ما أشار إليه بقوله جملة أي إجمالا في الأول وتفصيلا في الثاني والأول عقلي والثاني نقلي وإن كان الكل نقليا من جهة الاعتداد والأولى الاكتفاء بالثاني إذ التفصيل بالإيمان الثاني في مقام التفصيل وأما في مقام الإجمال فالإيمان الإجمالي كاف فيه أيضا وجه كون الإيمان إجمالا إذ العقل عاجز عن إدراك تفاصيله لكونه غائبا عرف بدلائله واماراته لا سيما إذا اعتبر في الغيب المؤمن به اليوم الآخر وأحواله على ما مر من المصنف لكنه ضعيف بل أنه داخل فيما لا طريق إليه غير السمع ولهذا قال البعض الظاهر إن الإيمان بالآخرة ح داخل في الإيمان بالكتب المنزلة لا مترتب عليه وإنما ذكره بعده للتعريض بمن عداهم ومن هذا لم يقل هنا وما يترتب عليه من الإيقان . قوله : ( وكرر الموصول ) جواب سؤال مقدر بأنه لم أعيد الموصول مع أن ذات الموصولين متحدة على هذا الاحتمال وأما على الاحتمالين الأولين فذات الموصولين متغايرة فلإعادة الموصول وجه فالأولى الاكتفاء بعطف الصلة بعضها على بعض فأجاب بأنها ( تنبيها على تغاير القبيلتين وتباين السبيلين ) أي قسمي الإيمان من الإيمان بما يدركه العقل والإيمان بما لا طريق إليه غير السمع فبسبب تغايرهما كان الموصوف بالأخرى غير الموصوف بالأولى فحسن إعادة الموصول للتنبيه المذكور والمراد بالسبيلين العقل والنقل وهما متباينان ووجه الدلالة على ذلك إشارة إلى استقلال كل من الوصفين وتنزيل تغاير الوصفين منزلة تغاير الذاتين فكأن ذات الموصولين متغايرة تنزيلا وادعاء متحدة حقيقة قال قدس سره رجح هذا الاحتمال على الأول بأن الإيمان بالمنزلين مشترك بين المؤمنين قاطبة قوله : وبين الإيمان بما لا طريق إليه غير السمع أنه هنا بطريق الحصر دون الأول لأن الأول يجوز أن يدرك بالسمع أيضا بخلاف الثاني . قوله : وكرر الموصول تنبيها على تغاير القبيلتين وتباين السبيلين أي تباين طريقي إدراك العقل والنقل وجه إفادة التكرير هذا المعنى هو دلالته على الاستبدال والاستقلال فكأنهما بلغا في التباين وصفا جدا نزل فيه منزلة التباين ذاتا .