اسماعيل بن محمد القونوي
414
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فنسخت هذه الآية قال مقاتل ليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذه الآية كذا في معالم التنزيل والمص لم يرض بالنسخ بل نبه على أن مآل الآيتين واحد فبين كلامه هنا وكلامه في تلك الآية نوع تنافر إلا أن يقال أشار إلى ما قاله بعض المفسرين هنا وأما في سورة آل عمران فنبه على ما هو المختار عنده . قوله : ( وقد فسر قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] ههنا على الأوجه الثلاثة ) واعلم أن الهداية على معنيين الدلالة المطلقة والدلالة الموصلة كما ذكرهما المص والتقوى على ثلاثة مراتب توقي الشرك وتجنب الكبائر من المعاصي واجتناب ما عاق عن الحق فالاحتمالات ستة في بعضها الهداية حقيقة وفي بعضها مجاز وكذا الاتقاء حقيقة في بعضها ومجاز في بعضها فإن أريد بالهداية الدلالة فالمتقين مجاز أولي بأي معنى كان أو الهداية مجاز في معنى الدوام والثبات وإن أريد بالمتقين الموصوفون بالمرتبة الأولى والهداية بالنظر إلى المرتبة الثانية أو الثالثة فكلاهما حقيقة وإن أريد بالهداية الدلالة الموصلة مجازا لأن الكتاب سبب للإيصال فالمتقين أيضا مجاز أولي بأي معنى كان أو الهداية مجاز في معنى الدوام والثبات وإن أريد بالمتقين الموصوفون بالمرتبة الأولى أو الثانية والهداية بالنظر إلى المرتبة الثانية أو الثالثة فكلاهما حقيقة وإن أريد بهم الموصوفون بالمرتبة الثالثة لا جرم أن الهداية مجاز في الثبات أو المراد المراتب المرتبة عليها وقد مر مزيد التوضيح في سورة الفاتحة ومذاق المص المجاز الأولى كما لوح إليه في آخر كلامه ولا إشارة في كلامه إلى أن هذا التفسير غير مرضي عنده إذ أشار إليه أيضا في تفسير قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 3 ] الآية ولم ينبه على جواز أن يفسر بما يعمها إذ لا طائل تحته إذ المرتبة الثالثة جامعة للمرتبتين والثانية مشتملة على المرتبة الأولى مع أن اعتبار الهداية بالنظر إلى ما يعمها في غاية المتكلف . قوله : ( واعلم أن الآية تحتمل أوجها من الإعراب أن يكون ألم [ البقرة : 1 ] مبتدأ على أنه اسم القرآن أو السورة ) استئناف بمنزلة فصل الخطاب في مثل هذا المقام خطاب قوله : وقد فسر قوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] على الأوجه الثلاثة فمعناه على الأول ذلك الكتاب هدى للذين يتقون عن الشرك بشهادة أن لا إله إلا اللّه وعلى الثاني للذين يتقون عن جميع الآثام وعلى الثالث للذين يتقون سرائرهم عن كل ما يشغلها عن الحق ويتوجهون بكليتهم نحو منقطعين عما سواه . قال الراغب التقوى هو جعل النفس في وقاية مما يخاف هذا حقيقته ثم يسمي نارة الخوف تقوى والتقوى خوف وفي التعارف حفظ النفس عن كل ما يؤثم ولها منازل الأول ترك المحظور ولا يتم ذلك إلا بترك المباح كما جاء من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه وقيل من لم يجعل بينه وبين محارم اللّه تعالى سترا من الحلال فحقيق أن يقع فيها والثاني أن يتعاطى الخير مع تجنب الشر وإياه عني بقوله : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [ الزمر : 73 ] والثاني التبري من كل شيء سوى اللّه تعالى وهو المعنى بقوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] وهذه المنازل مترتبة بعضها فوق بعض .