اسماعيل بن محمد القونوي
322
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بتضمين معنى التباعد وتجاوز العجز آخرهم وبلوغه غيرهم يوجب عموم العجز لهم بلا ريب والقول بأن التجاوز بمعنى التعدي والمجاوزة يتعدى بنفسه والذي يتعدى بعن معناه العفو مدفوع بأنه بتضمين معنى التباعد كما أشرنا إليه إذ لا معنى للعفو هنا وبأن التجاوز يتعدى بكلمة عن أيضا في كلام من يوثق به كما قاله الشريف ومراده بمن يوثق به الشيخ الرضي وقيل عن بمعنى من والمعنى من آخرهم إلى أولهم ووجهه أن عجز الكل إنما يظهر بمشاهدة عجز الآخرون وتذكر عجز الباقي إلى الأول وعن هذا لم يقل من أولهم إلى آخرهم ولا يخفى أن هذا إنما يتم فيما يتعين آخره وأوله وهنا ليس كذلك إلا أن يعتبر أولا وآخرا والأولى أن يحمل الكلام في مثل هذا على الاستعارة التمثيلية أو الكناية . قوله : ( مع تظاهرهم ) أي تعاونهم على المعارضة والمضادة كما قال اللّه تعالى : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 23 ] . قوله : ( وقوة فصاحتهم ) أي بلاغتهم كما يدل عليه أشعارهم وديوانهم حتى قيل إنه لم يعهد مثلهم في الفصاحة والبلاغة فيما قبلهم ومن بعدهم وإنما قال مع تظاهرهم لأن حالهم المذكورة يوجب عدم عجزهم فهي أصل في هذا المرام . قوله : ( عن الإتيان بما يدانيه ) فضلا عما يساويه والجار متعلق بعجزوا ولا يلزم تعلق الجارين إذ الأول لا يكون متعلقة به بل لا يصح تعلقه به إذ معنى العجز عن الآخر عدم القدرة عليه بل هو متعلق بالمقدر بالتضمين كما مر والضمير بما يدانيه راجع إلى القرآن مرادا به أقصر سورة منه إذ القرآن يطلق على الكل وعلى البعض أيضا . قوله : ( وليكون أول ما يقرع الأسماع ) عطف على قوله إيقاظا ولقد راعى هنا ما هو أبعد واحد إلى أن صدر عن آخرهم فالمعنى عجزا صادرا عن آخرهم لا عجزا متجاوزا عن آخرهم لأن تجاوز عنه إنما يستعمل في معنى عفا عنه وهذا ليس بمناسب هنا ولا عن آخرهم إلى أولهم لأن مقابل إلى من لاعن قوله عن الإتيان بما يدانيه متعلق بعجزوا فإنه هو المعجوز عنه وعن الأول غير متعلق به بل بمحذوف على ما صورناه فلا يرد عليه أن حرفي جر بمعنى واحد لا يتعلقان بلا عطف على متعلق واحد . وقوله : ليكون أول ما يقرع الأسماع الخ عطف على إيقاظا وهذا هو الوجه الآخر لتسمية السور بهذه الأسماء والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه السابق عليه مع أن كلا منهما دليل الإعجاز أن دلالة هذا الوجه على الإعجاز والغرابة إنما هي من أنفس تلك الأسماء باعتبار صدورها عمن لم يجر منه تعلم ودلالة ذلك باعتبار الألفاظ والتنبيه على غرابة لفظ القرآن بكمال بلاغته فلو تحدى به كاتب وقارىء لجاز بخلاف الثاني فإنه إنما يصلح لأن يتحدى به الأميون والحاصل أن الأول بالنسبة إلى القرآن المومي على النبي وحكى بلفظه عليه الصلاة والسلام والثاني بالنسبة إلى المبلغ الذي هو النبي عليه الصلاة والسلام فالوجه الأول ناظر إلى أن يرجع الضمير في مثله في قوله تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] إلى القرآن والوجه الثاني على أن يرجع إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم .