اسماعيل بن محمد القونوي
29
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
التصدي للمعارضة فمآل كلام الشيخين واحد ولا مساغ لحمل كلام الزمخشري على نفي التصدي بالكلية لما مر من أنه خلاف ما نقل عنهم فليس كلام الكشاف بأبلغ حتى يرام نكتة عدول المص عنه ( قيل وفي كلام الأزهري اختلف الناس في العرب ولم سموا عربا فقال أول من نطق بالعرب يعرب بن قحطان أبو اليمن وهم العرب العاربة ونشأ إسماعيل عليه السلام معهم فتكلم بلسانهم وأولاده العرب المستعربة وقال آخرون نشأ بعربة وهي بلدة من تهامة فنسبوا إلى بلدهم وفي الحديث خمسة أنبياء عليهم السلام من العرب إسماعيل ومحمد وشعيب وصالح وهود عليهم السلام وهذا يدل على أن لسان العرب قديم وكل من يسكن جزيرة العرب وتكلم بلسانهم فهو منهم انتهى وعند بعضهم أول من تكلم بالعربية إسماعيل عليه السلام . قوله : ( من فصحاء عدنان وبلغاء قحطان ) عدنان وقحطان إشارة إلى قسمي العرب العاربة والمتعربة وكناية عن جميعهم إذ الظاهر أن المراد منهما القبيلة إذ عدنان أحد أجداده عليه السلام والمراد به ههنا أولاده وكذا الكلام في قحطان « 1 » وتقديم عدنان لما مر من أنه أحد أجداده عليه السلام وإن كان المراد ههنا أولاده وإضافة الفصحاء إلى عدنان وإلى القحطان أضاف البلغاء للتفنن والفصاحة ههنا بمعنى البلاغة أو شامل للبلاغة قال أرباب علم المعاني وقد يراد بالفصاحة البلاغة على أن الفصاحة لها مدخل في البلاغة والإعجاز لكونها موقوفا عليها للبلاغة وفي إضافة الفصاحة إلى عدنان رمز إلى أنه فائق في البلاغة إذ إطلاق الفصاحة على الكلام العذب السهل شائع كما أن إطلاق البلاغة على الكلام الجزيل المتين ذائع فلا تغفل . قوله : ( حتى حسبوا أنهم قد سحروا تسحيرا ) ابتدائية أو جارة بتقديران أي إلى أن حسبوا وعلى التقديرين يكون غاية للإفحام باعتبار ملاحظة استمراره إذ لا امتداد له فلا غاية له أي ظنوا أو تيقنوا إذ قد يستعمل الحسبان بمعنى الظن وهو الأصل وقد يستعمل بمعنى العلم اليقين والمراد الأول ولا يبعد أن يراد الثاني وفيه إشارة إلى أن ظنهم فاسد بناء على عدم التفرقة بين السحر والمعجزة أو التعصب والعناد وسيجيء معنى السحر في قصة هاروت وماروت لكن المراد به ما دق مأخذه وما يخيل شيئا ليس بواقع بل هو تمويه ليس له حقيقة وفعله من الثلاثي قال تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [ الأعراف : 116 ] الآية ويجوز أن يكون من التفعيل والظاهر أن هذا الحسبان الفاسد حال بعضهم فإن بعضهم علم أنه ليس بساحر وإنما أظهر ذلك دفعا للخجالة وتمسكا بالمكابرة وليس لهم الحسبان المذكور فإنه أمر قلبي ولا يبعد أن يكون حسبوا أنهم كناية عن تلك المكابرة والمدافعة المفارغة عن الفائدة وحسبوا بصيغة المعلوم وسحروا مبني للمفعول وجوز أن يكون حسبوا مبنيا للمفعول فحينئذ الحسبان من رآهم من الناس وهو أبلغ كما قيل ولا يخفى بعده .
--> ( 1 ) قحطان بن عامر بن شالخ أبو حي يقال هو قحطان بن أواقطاحي على خلاف القياس كما قيل .