اسماعيل بن محمد القونوي
30
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( ثم بين للناس ) وثم للتراخي الرتبي إذ مرتبة التبيين المذكور أرفع من الإفحام المذكور والحمل على التراخي الزماني يقتضي كون الدعوة إلى التوحيد متأخرا عن الإفحام ولا يخفى بعده لأنه يقتضي تأخير البيان عن وقت الخطاب وهذا وإن جاز فيما فيه إجمال لكن لا يجوز مطلقا كما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة . قوله : ( ما نزل إليهم ) أي إلى الناس ومعنى الإنزال إليهم أنهم متعبدون بتفاصيله وللإشارة إلى ذلك قال ما نزل إليهم ولم يقل ما نزل إليه والإنزال إليهم بهذا المعنى حقيقة إذ التنزيل للتبليغ مختص بالرسول عليه السلام وهذا ليس بمراد ههنا حتى يكون نسبة التنزيل إليهم مجازا ونسبته إلى الرسول عليه السلام حقيقة كما جنح إليه بعض المحشين وكون معنى الإنزال إليهم ليكونوا متعبدين به أشار إليه المص بقوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [ البقرة : 136 ] الآية واكتفى بالناس لأنهم المقصودون والجن بالتبع وإن جعل الناس من الناسي حذف الياء اكتفاء بالكسر يعم الجن أيضا كما نبه عليه المصنف في سورة الناس واللام كونها للتعليل أولى من كونها للصلة . قوله : ( حسبما عنّ لهم من مصالحهم ) حسب منصوب على الظرفية لأنه بمعنى المقدار وقيل على نزع الخافض أي على مقدار ما عن وعامله بين وما موصولة أو موصوفة أي الأمور التي بينها الشرع أحكام لها أو أمور كذلك والمعنى ثم بين لأجل الناس على مقدار ما سنح وظهر أمورا وأحكاما كذلك قوله من مصالحهم بيان لما وإنما كان التبيين كذلك لأن نزول القرآن كذلك أنزل على حسب الوقائع والمصالح ( وبيان القياس والإخبار والإجماع راجع إلى بيان القرآن ولا دخل للدليل العقلي في بيان الأحكام العملية أصلا وإن كان مدخلا في بيان بعض الأحكام الاعتقادية كوجود الباري والتوحيد لكن من جهة الاعتداد أنه مأخوذ من الشرع وقد عرفت أن المراد بالتبيين الإعلام والتبليغ فلا يتناول ههنا بيان المجمل ونحوه نعم هذا هو المراد من قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [ القيامة : 18 ، 19 ] ويجب مراعاة معنى كل لفظ ما يناسب المقام . قوله : ( ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) ليدبروا أي الناس آياته أي آيات ما نزل التدبر الفكر في عواقب الأمور والمراد به ههنا النظر فيها ليطلعوا الأحكام المدلول عليها والتذكر الاتعاظ والتيقظ وهذا بعد التدبر ولذا أخره في الذكر والألباب جمع لب وهو العقل الخالص عن شوائب النقص والوهم وهو لب الإنسان والبدن قشره . قوله : ( تذكيرا ) مصدر مبني للمفعول فيكون مفعولا مطلقا ليتذكر أو مصدر من غير فعله أو مصدر فعله المقدر فيكون من قبيل الاحتباك وهو الأولى لأنه يفيد أنهم مع تذكرهم في أنفسهم يذكرون غيرهم وهذا مرتبة التكميل بعد كماله فاختياره لهذه النكتة الرشيقة لا لمجرد الرعاية للفاصلة فحينئذ يكون المراد بالناس العلماء على أن المراد باللام للجنس يراد به الكاملون في الإنسانية كما حقق المص في قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ [ البقرة : 13 ] الآية وفيه اقتباس مع تغيير ما وقد جوزوه إذا لم يقصد به التلاوة كذا قيل .