اسماعيل بن محمد القونوي

26

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( للعالمين ) من الثقلين أشار إليه المص في سورة الفرقان حيث قال نَذِيراً [ الفرقان : 1 ] للجن والإنس وصيغة العقلاء هنا في بابها لا حاجة إلى التغليب كما في قوله تعالى : رب العالمين والملائكة وإن دخلوا في العالمين هنا لكنهم في حكم المستثنى عقلا أو شرعا لما علم في موضعه من أنهم لم يكلفوا بحكم القرآن ( فظهر ضعف ما قيل إنه مبعوث إليهم أيضا بتكلف أن إنذار الثقلين إنذار لهم وهو بعيد لا يعبأ به ) . قوله : ( نذيرا ) أي منذرا أو إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار فيكون للمبالغة كرجل عدل وعلى الأول ففعيل بمعنى المفعل بكسر العين وفيه نزاع كما سيجيء في قوله : عَذابٌ أَلِيمٌ [ البقرة : 10 ] والاقتصار على الإنذار لأنه الغرض الأهم من الإرسال والإنزال فاكتفى به اقتداء بالنظم الكريم والقول بأن بشيرا مقدر ضعيف وكذا القول بأنه اكتفى به ليوافق قوله فتحدى إذ المعارضة إنما وقعت من الكفرة واللائق بهم الإنذار لا التبشير ليس بمناسب إذ اللائق الإنذار من أصر على الكفر والتبشير لمن أمن فالاكتفاء التنبيه على أنه أهم . قوله : ( فتحدى ) الفاء لأن التحدي مترتب على التنزيل ولهذا قال فتحدى بأقصر سوره الخ ( التحدي طلب المعارضة من الحدى وهو التغني لحث الإبل على سرعة السير ثم استعملوا في طلب المعارضة توسعا لأن فيه حثا على المعارضة ليعرفوا عجزهم فيؤمنوا به وفيه إشارة إلى أن القرآن أبهر معجزاته عليه السلام لكونه معجزا بسبب كونه في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة فترتب التحدي على التنزيل لكون الإعجاز بالبلاغة منفهم من الفرقان والقرآن لاشتهاره به فانكشف منه وجه اختيار الفرقان ههنا دون الكتاب إذ الإعجاز لا يفهم من الكتاب ) وضمير تحدى راجع إلى العبد ولا يحتاج إلى رابط وإن عطفت على جملة الصلة إذ الفاء تجعلهما كجملة واحدة فيكتفي بالضمير الواقع في إحديهما هذا إذا جعل الفاء للعطف مع السببية كما نقل ذلك عن الرضي وأما إذا جعلت لمجرد السببية فلا يحتاج إلى هذا الاعتذار وهذا هو الظاهر فهو كقوله الذي يطير فيغضب زيد الذباب فإن الظاهر فيه كون الفاء للسببية فقط فلا يحتاج إلى الضمير ويحتمل كون الفاء للسببية مع العطف فح يعتذر بالاعتذار المذكور كما نبه عليه العارف الجامي تبعا للشيخ الرضي فكذا فيما نحن فيه أيضا « 1 » وكذا الكلام إذا كان ضمير فتحدى راجعا إلى القرآن فإنه إذا جعل الفاء للعطف مع السببية ح يحتاج في ترك الضمير الراجع إلى الموصول إلى القول المذكور لكن عوده إليه خلاف الظاهر إذ القرآن هو المتحدى به لا المتحدي قوله بأقصر سورة لو يحتاج إلى التكلف دفعا لكون الشيء آلة لنفسه والقول بأن الضمير للّه تعالى في غاية من البعد . ( قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] الآية للتعجيز لا للتحدي حتى يقال إن التحدي ينسب إليه تعالى أيضا لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا [ البقرة : 23 ] الآية ثم الظاهر أن المراد بالقرآن

--> ( 1 ) ويمكن أن يقدر فيه ضمير أي فتحدى بأقصر سورة من سوره بإنزاله تعالى كما نبه عليه الجامي في قوله الذي يطير ا ه .