اسماعيل بن محمد القونوي

27

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المجموع ههنا إذ هو إخبار وقت التصنيف وأما في النظم الجليل فقوله تعالى : نَزَّلَ الْفُرْقانَ [ الفرقان : 1 ] بصيغة المضي بناء على التغليب فح يرد عليه أن المقام حينئذ يحتاج إلى التكلف لأن التحدي لم يكن بعد نزول المجموع والجواب أن الفاء باعتبار نزول بعضه إذ نزول الكل مستلزم لنزول البعض فالضمير في قوله من سوره راجع إلى ذلك البعض فإنه مع كونه بعضا من المجموع مشتمل على سور كثيرة فأقصر سورة كما أنه بعض من المجموع بعض من بعضه المشتمل على سور كثيرة كعشر سور مثلا إذ الفاء للترتيب في الإخبار لا في الوجود وحاصل المعنى حينئذ أخبر أولا أنه تعالى نزل الفرقان على عبده وأخبر ثانيا عقيبه بأنه عليه السلام تحدى بأقصر سورة الخ قال الفاضل السعدي في قوله تعالى : فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ [ الحج : 15 ] الفاء في قوله تعالى فَلْيَنْظُرْ [ الحج : 15 ] للترتيب في الإخبار أو الفاء بمعنى الواو كقوله . بين الدخول فحومل . كما في مغني اللبيب أو بمعنى ثم كما في قوله تعالى : ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً [ المؤمنون : 14 ] الآية فالفاء أتت في فخلقنا في المواضع الثلاثة بمعنى ثم لتراخي معطوفاتها كذا في المغني أيضا ولأرباب الحواشي مقال في دفع هذا الإشكال يضطرب منه أهل الحال والبال . قوله : ( بأقصر سورة ) مستفاد من التنكير في قوله تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] الآية وفيه مبالغة . قوله : ( من سورة ) احتراز عن سور غيره من التورية وغيرها من الكتب الإلهية كما سيجيء توضيحه في أوائل سورة الفاتحة . قوله : ( مصاقع الخطباء ) جمع خطيب وهو البليغ الكامل في البلاغة سواء كان كلامه مسجعا أو لا المصاقع جمع مصقع بوزن منبر البليغ والعالي الصوت أو من لا يرتج عليه كلامه والمراد به ههنا المعنيان الأخيران إذ في الأول يلزم إضافة الشيء إلى نفسه وهذا مأخوذ من صقع الديك إذا صاح لأنه عالي الصوت أو من الصقع بمعنى الجانب لأنه يقدر على تأليف كلام بليغ بأي وجه أراد من كل جانب وكل طريق . قوله : ( من العرب العرباء ) كون من تبعيضية أولى من كونها بيانية والعرباء الخلص البليغ الفصيح وصف بها العرب للمبالغة في الوصف بالعربية مثل ظل ظليل وليل أليل قال الإمام المرزوقي : إن من شأن العرب أن يشتقوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغة في وصفه ما يتبعونه تأكيدا وتنبيها على تناهيه من ذلك ظل ظليل وداهية دهياء وشعر شاعر انتهى والعرب العرباء من هذا القبل والعرباء بوزن الحمراء مشتقة من العرب إذ الاشتقاق يجري في الجوامد أيضا وجه التأنيث إن العرب اسم جنس بمعنى الجماعة العرب وأفراد العرباء باعتبار لفظ العرب ونقل عن ابن قتيبة أنه قال العرب العاربة ولد إسماعيل عليه السلام والمتعربة غيرهم والكلام في العاربة مثله في العرباء ومعنى المبالغة معتبر في هذا المعنى . قوله : ( فلم يجد به قديرا ) أي على المعارضة مع كمال فصاحتهم وفرط بلاغتهم