الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
519
مرآة الحقائق
فكأنما كان موتور الأهل والمال : أي منقوصهما ومسلوبهما : أي كان كمن بقي بلا أهل ولا مال ؛ وهو خسارة عظيمة دنيوية ، وأعظم منها الخسارة الدينية الأخروية . وفيه إشارة بالعمر إلى زمان كل واحد من أفراد الإنسان ؛ وهو أيام حياته المعدودة المقدّرة ، وبالصلاة إلى التوجه المعنوي ، والحضور القلبي الحاصل في العمر ، فمن فاته هذا المعنى ؛ كان كمن بقي بلا أهل ولا مال : أي بلا قوى روحانية ، وبلا أعضاء جسمانية ؛ فكأنه في صورة وسيرة غير صورة الإنسان وسيرته . لأن المقصود الأصلي من الآلات ، والأسباب الخارجة ، والداخلة ؛ إنما تحصيل الكمال الإنساني المنوط بحال القلب ، فإذا فقد التحصيل ؛ فكأنما فقد الآلات ، فليبك على نفسه من ضاع عمره وعصره ، ولم يكن على طائل ، وفائدة من الصلاة ، والتوجّه ، والحضور الحاصلة لأهل الكمال الذين هم الإنسان الحقيقي . أمّا غيرهم فهم الإنسان والحيواني ؛ بل هم أضلّ من الأنعام ؛ لأن الحيوان مهتد إلى ربه بما جبل عليه من التسبيح ، وله رتبة الفطرة حيث لم يتدّنس بشيء من المخالفة ؛ لكونه خارجا عن حدّ التكليف ، وحمل الأمانة ، فالإنسان منهم أسفل وأعلى ، فانظروا منهم الخاسر ، والرابح فاعرف . دلّ على ما ذكرنا قوله تعالى : وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ [ العصر : 1 ، 2 ] . وقد أقسم اللّه تعالى بالعصر مطلقا ؛ لشرفه العظيم ، وجعل من لم يعرف قدر العصر في خسارة ، فلا ربح إلا لمن آمن إيمانا حقيقيا عيانيا ، وعمل عملا صالحا يصلح للتّسبب للعروج إلى مواطن أهل الصلاح المطلق في علّيين ؛ بل إلى مساعد يبقى عندها العلّيون كأسفل درجات المرقّات ، وتواصى بالحق : أي بشهوده في المشاهد ، والثبات على ما أراد اللّه تعالى في المعاهد ، وتواصى بالصبر على ستر الحال ، وكتم سر الغيب ، فإن ذلك الربح أيضا . ألا ترى أن كل من أظهر البطون ؛ فقد أبطن الظهور ؛ بجعل نفسه عرضه للآفات والفناء « 1 » والهلاك .
--> ( 1 ) قال الشيخ أبو المواهب الشاذلي : قال اللّه تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ [ الرحمن : 26 ] . -