الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
518
مرآة الحقائق
فالعبد يفعل ما يفعل بالحق لا بالنفس ، فمن فعل بالنفس ؛ وقع في العذاب الجسماني ؛ لأن النفس مضافة إلى الجسم الطبيعي ، ومن فعل بالنفس بالفتح ؛ وقع في الرحمة ، وفيه إشارة إلى ألا بد للعبد من معرفة حدّه ، فإنه إذا لم يعرف حدّه ؛ تجاوز إلى حده من قوله . والكاذب لا يدخل مقام الصادق ؛ بل كلّما أراد ذلك ؛ ردّه يد الغيرة الإلهية إلى حدّه ؛ بل إلى أسفل منه ؛ لتركه الأدب مع اللّه تعالى . قال تعالى : كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [ السجدة : 20 ] ؛ ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « وليس بنافخ فيها أبدا » « 1 » : أي ما دام على حالته النفسانية . إذ من كان في النار ؛ فهو لا يحيا ولا يموت ، فكيف يحي الغير ويميت ، وكذا من بقي في سجن الطبيعة ؛ فإنه لا يخرج منها أبدا إلا أن يخرجه اللّه منها كما قال : يخرجهم من الظلمات إلى النور ، فالأشخاص ظلمات ، والأرواح أنوار . فإذا سرت الأرواح في الأشخاص ؛ كان كسريان الأنوار في الظلمات ، إلا أن يكون في البين حائل ؛ كالنفس الحائلة بين الأرواح والأشخاص ، وكالجبال والجدران الحائلة بين الأنوار والظلمات ، فليبك على نفسه من بقي في الظلمات النفسانية الجسمانية ، وليضحك وليفرح بفضل اللّه تعالى من خرج منها إلى الأنوار الروحانية الإلهية . 27 - في حديث مسلم : « من فاتته صلاة العصر ؛ فكأنما وتر أهله وماله » « 2 » : يقال : فاته الأمر : أي ذهب عنه ، فمعنى فاتته الصلاة : فاتت عنه الصلاة بمعنى وقتها . وفي رواية البخاري : « من ترك صلاة العصر » « 3 » : فدلّ على أن التفويت محمول على العمد ، إذ لا يترتّب الوعيد والخسارة على الخطأ والنسيان ، وإن كان يرد الخطاب بالعقاب يعني : إن من ترك العصر متعمدا ؛
--> ( 1 ) ذكره ابن حجر ( 10 / 394 ) ، والزرقاني في شرحه ( 4 / 470 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 203 ) ، ومسلم ( 1 / 435 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 1 / 203 ) ، والنسائي ( 1 / 153 ) .