الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
517
مرآة الحقائق
اعلم أن الأشياء كلها حيها وجمادها حاملة للروح الإلهي ؛ لكن لمّا كان الحياة ظاهرة حسية في الأحياء ؛ عبّر عنها بالنفخ في القرآن ، كما قال في الإنسان : « ونفخت فيه من روحي » « 1 » ؛ فإن الأثر أظهر في النفخ من غيره ، ولمّا كانت باطنة معنوية في الجمادات ؛ أشير إليها بالتسبيح في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . فإن المسبّح لا بد وأن يكون حيّا ؛ فالمكاشفون أدركوا الحياة في الجمادات أيضا دون غيرهم ؛ ولذا لم يكونوا يصوّرون صورة لا صورة ذي الروح ، ولا صورة غيره إلا بإذن اللّه تعالى ؛ كعيسى عليه السّلام لّما صوّر الخفاش من الطين بإذن اللّه تعالى نفخ فيه الروح ؛ فصار يطير كسائر الطيور . فإن المصوّر - بالكسر - حينئذ إنما هو الحق تعالى في صورة عيسى ، وكذا النافخ للروح ؛ كالرامي في قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، وذلك أن الهويّة إنما هي هوية الحق تعالى ، وليس للعبد هوية غير التشخّص ، وليس التأثير من جانب التشخّص ؛ بل من طرف الهويّة . فالمصوّر إذا صوّر شيئا من طرف تشخّصه من غير أن يأذن اللّه له من طرف هويته ؛ عجز عن نفخ الروح فيه ، وصار عرضة للعذاب ؛ لأنه شبّه نفسه بالخالق ، والذي صوّره بخلق اللّه تعالى . وقد قال تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] يعني أن العبد لا يقدر على الخلق ما دام مخلوقا ، فإذا تجلّى فيه سرّ الخالقية على ما أشار إليه قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] . وأذن اللّه له في الخلق والنفخ ، كان الأمر كما شاء اللّه تعالى بهويته المضافة إلى العبد . وقد نفخ أبو يزيد البسطامي قدّس سرّه في نملة ميتة ؛ فحييت بإذن اللّه تعالى لا بنفخه المجرّد ؛ فإن نفخه المجرّد ريح نفسانية لا تؤثّر إلا بسريان الروح الإلهي فيها ،
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 1 / 172 ) ، والديلمي في الفردوس ( 3 / 421 ) .