الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

494

مرآة الحقائق

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، وذلك في مرتبة ذاته الأحدية ؛ لكن له مظاهر من حيث أسمائه المختلفة ، وصفاته المتفاوتة ، ومن ذلك الاسم المضل الذي ظهر الشيطان بحقيقته فدلّ على أن الشيطان ظهر في صورة الحق من حيث اسمه المضلّ ، كما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ظهر في صورة الحق من حيث اسمه الهادي « 1 » . فلله تعالى أن يتجلّى بكل صورة من الصور الأسمائية من غير مزاحمة ؛ لأن له الإحاطة التامة بالكل بالفعل . وأمّا الشيطان : فله الإحاطة بجزئيات الاسم المضلّ ، بالفعل وبالاسم الهادي وجزئياته بالقوة . وأمّا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : فله الإحاطة بجزئيات الاسم الهادي بالفعل ، وبجزئيات الاسم المضل بالقوة ؛ لأن له الاسم الجامع ؛ لكن فرق بين القوة والفعل . ولذا يقال : إن النفس لأمّارة بالسوء : أي بالفعل في المظاهر الجلالية ، وبالقوة

--> ( 1 ) الهادي : هو الذي يوصل من يشاء من عباده إلى معرفة ذاته وصفاته ، ويدل من يشاء منهم إلى حسن معاده ، وإلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته ، والهداية الصادرة في الظاهر من الأنبياء وورثتهم الأولياء صادرة في الحقيقة منه سبحانه تعالى على ألسنتهم بوحيه وإلهامه إليهم ؛ لكونهم مسخّرين تحت قدره وتدبيره غير مستقلين في الإرشاد وتأثيره . ألا ترى أنه إذا كان خطاب لا تهدي من أحببت مع المحبوب ، فكيف حال غيره في الإيصال إلى المطلوب ؟ فإن شئت تحقيق معنى الهداية وتدقيقه على النهج الغريب والأسلوب العجيب ، فارجع إلى ما حققناه في شرح الحاشية الزاهدية على جلالية التهذيب ، وها هنا في هذا القدر كفاية ، وحظ العبد منه أن يهدي العباد إلى طريق الرشاد بقدر استطاعته ومقدار استعدادهم في الاسترشاد . الخواص : هذا الاسم جمالي ، فمن أكثر من ذكره كان موفقا في أعماله ، وأقواله ، وأفعاله الظاهرة والباطنة ، وتزايد نور قلبه وهداه اللّه تعالى إلى سرائره ومعرفته ، ومن دخل في بيت مظلم ، وقال : ( يا هادي اهدني ) إلى أن يغلب عليه منه حال ، فإنه يرشد إلى مطلوبه ، وإذا أكثر من ذكر مالك أطاعته البلاد ، وانقادت إليه أمور العباد ، ومن وضعه في خاتم فضة والقمر في شرفه ، وتمتم به وفقا للأعمال الصالحة ، ومن اشتبه عليه أمر من الأمور ، ولا يعرف خيره من شره ، فليتوضأ وليصل ركعتين في كل منهما بعد الفاتحة آية الكرسي والإخلاص ، وذكر هذا إلى أن ينقطع النفس أو عشرة آلاف مرة فيهتدي إلى ما هو الخير في دينه ودنياه ، وفيه معنى بديع لمن أراد أن يرتقى بروحه إلى عالم البقاء من السالكين .