الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
495
مرآة الحقائق
في المظاهر الجمالية ، وإلا لما كانت الحقيقة الإنسانية أجمع الحقائق الكونية والإلهية ، وكما أن الشيطان لا يتمثّل بصورة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأن من رآه بهيئته الأصلية ، فقد رآه في الصورة الخيالية المتصلة بصورته الحقيقية ، فافهم جدا . فكذا لا يتمثّل في صور المظاهر الجمالية من أكامل الإنسان ؛ لأنهم خلفاؤه صلّى اللّه عليه وسلّم ونوابه ، والخليفة لا يظهر إلا في صورة المستخلف ، فمن رأى واحدا منهم بحليته الذاتية ؛ فقد رآه تحقيقا ، وإن كان لا يدري المرء أنه ظهر للرائي ؛ وذلك لأن ظهوره للرائي إنما هو بالواسطة : أي بالصورة الخيالية التي تحكم على الرائي في المنام أو الانسلاخ ؛ لأنها هي الصورة البرزخية ، وقلّ من تفطّن لهذا المقام من العارفين . وأمّا المعنى الحقيقي للحديث فهو : إن من رآه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ، أو في اليقظة ؛ فقد رأى الحق سبحانه وتعالى ؛ لأن اللّه تعالى خلق آدم على صورته ؛ وهو صلّى اللّه عليه وسلّم أكمل أفراد آدم ، فقد خلقه على صورته الحقيقية الأسمائية والصفاتية ، فمن رآه ، وهو مظهر تام الحقائق جميع الأسماء والصفات ؛ فقد رأى الحقيقة الإلهية متجلية بجميع الحقائق . وكذا من رأى خليفة من خلفائه ونوابه ؛ فقد رآه ؛ لأنه صورة من صورة الكلية ؛ وبوساطة رؤيته رأى اللّه تعالى ، فاللّه تعالى مرئي أبدا في الصورة المحمّدية الكلية الصورة الإنسانية ؛ ولكن المحجوبين لا يرونه في عين رؤيتهم ؛ لاحتجابهم بأنفسهم عنه ، ولو كوشفوا عن حقائقهم لرأوا أن حقائقهم عين الحقيقة المحمّدية ، ولو من وجه الجزئية ، كما أن الحقيقة المحمّدية عين الحقيقة الإلهية من وجه الكلية ؛ لأن لم يكن في الإمكان أبدع مما كان ، فاللّه تعالى ظاهر لأولي الأبصار ، باطن عن أعين الأغيار ، وليس في البين إلا حجاب الغفلة . 19 - في حديث مسلم : « من سأل الناس أموالهم تكثّرا ؛ فإنما هي جمر ؛ فليستقل منه ، أو ليستكثر » « 1 » : اعلم أن سؤال الأموال عن الناس على أنحاء شتى كل منها حرام إذا كان على وجه التكثير لا للاحتياج في الحقيقة ؛ لأن فيها إذلالا للنفس ، ورفعا لجلباب الحياء ،
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2 / 720 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 321 ) .