الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

440

مرآة الحقائق

واعلم أن متعلّق نية الخواص : هو الحق تعالى ؛ فهم محسنون متقون مقربون ، ولهم النور التام يوم القيامة . وإن متعلّق نية العوام : هو فضل اللّه ورحمته ، فهم عاملون أبرار مقربون ، ولهم الأجر التام يوم القيامة ، ومقام الأولين : جنة عرضها السماوات والأرض ؛ لاتساعهم وانشراحهم قلبا وصدرا ، ومقر الآخرين : جنات تجري من تحتها الأنهار ؛ لمتابعتهم العلوم أو سألتهم الدموع ، فأين الأجير المحجوب من المحسن المحبوب ؟ فعليك بإعراب المطلوب « 1 » .

--> ( 1 ) قال الحكيم الترمذي : « باب في شأن النية » : حدّثنا صالح بن عبد اللّه ، حدّثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوما : « هل تدرون من المؤمن » قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : « المؤمن من لا يموت حتى يملأ اللّه مسامعه مما يحب ، ولو أن عبدا اتّقى اللّه في جوف بيت إلي سبعين بيتا ، علي كل بيت باب من حديد ، ألبسه اللّه رداء عمله ، حتى تتحدث الناس به ويزيدون » قالوا : وكيف يزيدون يا رسول اللّه ؟ قال : « إن اتّقى ، لو استطاع أن يزيد في برّه لزاد ، وكذلك الكافر يتحدّث الناس بفجوره ويزيدون ، لو استطاع أن يزيد في فجوره لزاد » . وكان ثابت إذا حدّث بهذا الحديث يقول : فبلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول : « نيّة المؤمن أبلغ من عمله » . حدّثنا عمر بن أبي عمر عن نعيم بن حماد عن عبد الوهاب بن همام الحميري قال : سمعت وهبا يحدّث عن ابن عباس أن رجلا قال : يا رسول اللّه ما أفضل الأعمال ؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « النية الصادقة » . وحدّثنا عمر بن عمرو الربعي عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : لم نية المؤمن خير من عمله ؟ قال : نية المؤمن لا يكون فيها رياء فيهدرها » . وحدّثنا عمر عن فهد بن مالك بن دينار قال : رأيت رجلا بمكة يقول : اللهم قبلت حجّاتي الأربع ، فاقبل هذه الحجة فتعجبت منه ، وقلت : كيف علمت أن اللّه قبلها منك ؟ قال : أربع سنين كنت أنوي كل سنة أن أحج ، وعلم من نيتي ، وحججت من عامي هذا وأنا خائف أن لا يتقبّل منى ، فيؤمئذ علمت أن النية أفضل من العمل . قال أبو عبد اللّه - رحمه اللّه - : وجدنا من طريق الاعتبار عندما مثلنا بين النية والعمل أن العمل منقطع ، والنية دائمة . وتصديقه في حديث ثابت عن أنس : « والعمل علانية والنية سرّ » .