الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
439
مرآة الحقائق
الجزء الثاني بسم اللّه الرّحمن الرحيم شرح بعض الأحاديث بطريق الحقائق 1 - في المتفق عليه : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما الأعمال بالنيات » « 1 » : هذا بإطلاقه شامل لجميع الأعمال وسائل كانت ؛ كالوضوء ، والسّعي إلى الجمعة ونحوه ذلك ، أو مقاصد ، كالصلاة ، واستماع الذّكر يوم الجمعة وغير ذلك حتى أن التوحيد من حيث إنه ذكر لساني ، وعمل خارجي لا بد له من النية ، وقال العلماء : ما كان من قبيل الوسائل لا يحتاج إلى النية ، فلو لم ينو عند الوضوء لرفع الحدث ، وإقامة الصلاة ؛ صح وضوءه بخلاف ما كان من قبيل المقاصد ؛ كالصلاة فإنه لا بد من النية ؛ ليكون صحيحا مقبولا . فصحة الصلاة المستصحبة بالنية مستلزمة لصحة الوضوء ، ونيتها سارة لنيته ؛ بمعنى أن نيته الشرط والمشروط نية واحدة . وقال العرفاء : لا بد من استحضار الحق تعالى في مباشرة العمل المشروع فيه مطلقا ؛ فإنه روح ذلك العمل وسره ، فكما أن البدن لا يقوم إلا بالروح ، فكذا العمل لا يقوم إلا بالنية ، واستحضار الحق على أن قد يدخل الرياء في العمل ، فلا بد من النية ؛ ليخلص للّه تعالى . وللعارفين شأن عجيب في باب النية : فإن نيتهم دفعية كلية سارية في مراتب جميع الأعمال ، فليس لهم عمل بلا نية أصلا ، إذ هو ذهول عن الحق ، وكيف يذهل عن الحق من ودّوا حقه ، والذين هم في صلواتهم دائمين ، فدوام الشهود يغنيهم عن استصحاب النية الخاصة في كل خاص على أن الوضوء قد يكون قربة مشروعة مستقلة ، كما دلّ عليه صلّى اللّه عليه وسلّم : « دم على الطهارة ، يوسع عليك الرزق » « 2 » . فقد يلزم الطهارة في وقت ، والصلاة غير مشروعة فيه ، فعليك بالقربات ، والدرجات ، والصعود إلى المراتب العالية بخلوص النيات .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 12 / 65 ) ، وأبو داود ( 2 / 262 ) . ( 2 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 273 ) .