الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
456
مرآة الحقائق
فله بمقابلة مسجد واحد عشرة بيوت جنانية لا يقادر قدرها ؛ لأنها من الجواهر ، وبيوت الدنيا من الأحجار ونحوها . وإن كان في مرتبة الروح التي هي مرتبة المئات ؛ فله بمقابلة مسجد واحد مائة بيت من البيوت الفردوسية لا يكننه كنهها ؛ لأنها من الدرر واللآلئ الصافية ، وإن كان في مرتبة السرّ التي هي مرتبة الألوف ؛ فله بمقابلة مسجد واحد ألف بيت من البيوت العدنية المبنية على الأنوار ، وإن كان فوق ما ذكر ؛ فله أجر بغير حساب على أن من بنى مسجدا في الدنيا فإنما يبنيه لإقامة الصلاة ، التي هي محلّ المناجاة والمكاشفة
--> - المتعزز إن فارق العز ساعة تكدر عليه عيشه ؛ لأن ذلك عيش ، فإذا لا بدّ للمريد إسقاط جاهه وإخمال ذكره ، وفراره عن موضع اشتهاره وتعاطيه أمورا مباحة تسقطه من أعين الناس ، كقصة السائح الذي سمع به ملك زمانه فجاء إليه ، فلما علم بذلك السائح استدعى بقلا وجعل يأكله أكلا عنيفا بمرأى من الملك ، فلما رآه على تلك الحالة استحقره واستصغره فانصرف عنه ذا ماله . وقد بالغ بعضهم في مداواة علة الجاه الذي علق في القلوب ، حتى استعملوا في ذلك أشياء منكرة في ظاهر الشرع ، ورأوا فعل ذلك جائزا لهم ولغيرهم ، وذلك مثل قصة الرجل الذي دخل الحمام ولبس من فاخر ثياب الناس ، بحيث تظهر ومشي بذلك متمهلا بحيث يرى ويظن بذلك السرقة ، فلما رآه الناس أخذوه وصفعوه ، ورموا الثياب عنه واشتهر عندهم بالسرقة ، حتى كان يعرف عندهم بلص الحمام ، فحينئذ وجد قلبه . ومثل ما يروى عن أبي يزيد رضي اللّه عنه في قصة الشاهد ، الذي أمره بحلق رأسه ومخلاته مغلقة في عنقه أيضا ، وإعطائه من ذلك لمن يصفعه من الصبيان ، وطوافه على تلك الحال في المحافل والمحاضر ذكر ذلك أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه وغيره . وإذا جاز لمن غصّ بلقمة حلال أن يسيغها بالجرعة من الخمر إذا لم يجد غيره ، مع أن تحريمه مقطوع به ولا يفوته بترك الجرعة إلا حياة فانية ، فلأن يجوز مثل هذا إذا تعين عليه أولى ؛ إذ يفوته بترك المنكر في ظاهر الشرع الحياة الباقية والقرب من اللّه تعالى ، فإذا التزم العبد هذه الطريقة من الرياضات ماتت نفسه ، وحيا قلبه وقرب من حضرة ربه ، واجتنى ثمرة غرسه على غاية الكمال والتمام . وتلك الثمرة أخلاق الإيمان ، التي تكيفت بها نفسه وصارت كصفاته ذاتية له ، وهي نتيجة الحكمة التي أنبتها اللّه في قلوب عباده المتواضعين . قال تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] .