الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
457
مرآة الحقائق
والمشاهدة ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبنى له في الجنة بمقابلته بيوت لطيفة ، هي محل التجليات الإلهية ، إذ الجزاء من جنس العمل ، ومماثل له ، وفيه إشارة إلى بناء بيوت القلوب ؛ فإن هذه البيوت أعظم من المساجد ؛ لأنها منظر الحق سبحانه ومسكنه . على ما ورد في الخبر القدسي الداودي عليه السّلام : « فمن طيّب خواطر أهل اللّه ، وقلوب أولياء اللّه ؛ طيّب اللّه خاطره ، وعمّره بما لا يخطر بباله من أنواع التطيّب والعمارة » . فالقلب بيت اللّه وعرشه وسريره « 1 » وهو من الجنان المعجّلة في الدنيا ، فطوبى لعامره وداخله ، وويل لنادمه والخارج . وفيه رمز أيضا إلى أن بناء المسجد من المقامات الإبراهيمية عليه السّلام ؛ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس في الآفاق ، كما أن القلب أول بيت وضع لهم في الأنفس . وإنما جوزي إبراهيم بأمثال الكعبة في الملكوت من حيث إنه لم يكن طبقة من
--> ( 1 ) القلب الذي قواه ربّانية ملكية تكشف وتبين الأحكام الحكمية الروحانية هو بيت اللّه المعمور في السماء ، والمرتبة السيادية ، والنفس البشرية التي في مداركها تظهر أعيان معاني تلك الأحكام ، وبقواها تصور أكوان صورها ، هي الكعبة التي على حيال البيت المعمور في الأرض التبعية . وقال أيضا : القلب كتاب : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [ المجادلة : 22 ] . والقلب بيت الرب يزين فيه عرائس الإيمان ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 7 ] ، والبيت سكن الساكن ، فالسكينة روح كونه سكنا ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [ الفتح : 4 ] ، وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [ المجادلة : 22 ] ، فالسكينة روح الخلافة الربّانية ، فصاحب البيت سلطان بيته ، ولذلك ما نزلت السكينة إلا حفّها الجنود ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ [ التوبة : 40 ] ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ [ الفتح : 4 ] إلى قوله : وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [ الفتح : 4 ] . فهي روح العلم والحكمة الإلهية الربّانية ، فالطمأنينة استواء القلب حتى صار مستوى ، والسكينة استواء ساكنه عليه ، والاستواء هو الظهور التام في كل مقام بحسبه ، وباستواء الساكن يحيا السكن ، حتى قيل : وإنما الناس نفوس الديار .