الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
76
مرآة الحقائق
الخيال ، فمن لا قلب له ؛ لا وحي ، ولا إلهام له على وجه يعتدّ به . ونعم ما قال بعض الأكابر : إن المعارف الإلهية إنما تحصل من طريق العمل الصالح ، والسلوك ، والتقوى ، وكثير من المغرورين الذين لا صحبة لهم مع أهل التسليك وقعوا في الدعوى ، وكذّبهم أفعالهم الفاسدة ، وأعمالهم الكاسدة ، فاللّه اللّه ، و « اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه « 1 » » وهي الفراسة الحقيقة الكاشفة عن السرائر لا الفراسة الطبيعية الكاشفة عن الظواهر . وقد قال تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ الطارق : 9 ] . وهذا اليوم : يوم الميعاد بالنظر القاصر ، ويوم المعاش بالنظر الكامل . إن قيمة العارفين دائمة فما ينكشف يوم المعاد لأهل الظواهر ؛ فقد كشف اللّه يوم المعاش لأهل البواطن فسيّرهم سير على الدوام ، وإن لم يقف عليه العوام ، واللّه عليم بذات الصدور ، وكذا من ارتضى من رسول ، ووارث الرسول ، وذلك بالتعريف الإلهي دلّ عليه قوله : « أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري » « 2 » : أي من اتصف بالغيرية ، وأمّا من تخلّص عن شوائب الغيرية ؛ فاللّه لا يخفى سرّه عنه . في الجامع الصغير : كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا شهد جنازة ؛ رؤيت عليه كآبة ، وأكثر حديث الكآبة الحزن ، وقلب كئيب حزين ؛ والمراد : باكيا . وحديث النفس : طول التفكّر ، ومن أماراته : إطراق الرأس غالبا . فإن قلت : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان دائم الأحزان ، طويل الفكر ، فما معنى رؤية الكآبة عليه وقت شهود الجنازة ؟ قلت : لا شك أنه كان متهلّل الوجه عند خروجه إلى أصحابه ، فكان لا يرى عليه أثر الحزن إلا عند موجب قوي ، كشهود الجنازة على أنه فرق بين
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 3127 ) ، والطبراني في المعجم الكبير ( 8 / 121 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 94 ) ، ( 6 / 118 ) ، وأبو سعد الماليني الهروي في الأربعين كما في مجموع الأربعين للنبهاني ( ص 305 ) ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ( 10 / 268 ) ، وحسنه ، وكذلك ذكره الحافظ ابن عراق في تنزيه الشريعة ( 2 / 305 ) ، وسكت عليه الحافظ في الفتح ( 12 / 405 ) ، والحديث من شواهده ومتابعاته تبين أنه لا يقل عن درجة الحسن لغيره . ( 2 ) ذكره الجرجاني في التعريفات ( 1 / 295 ) .