الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
77
مرآة الحقائق
حزن وحزن ، فحزنه عند شهود الجنازة كان أقوى من حزنه في غيره . فإن قلت : على ما يحزن ويبكي وهو من أهل الملكوت ؟ فلا يزال يشهد الأرواح ، قلت : قد صحّ عند أهل اللّه ان الحزن من المقامات العالية ، فهو أقوى في قلوب الأنبياء مما في قلوب الأولياء . كما أن في قلوب الأولياء أشدّ مما في قلوبهم من دونهم من الصلحاء ، ولكل موطن من مواطن الدّارين حكم مختصّ به . ألا ترى أن جبريل عليه السّلام بكى على فراقه صلّى اللّه عليه وسلّم حين انتقاله إلى الآخرة مع أنه لا يزال يطوف حوله في عالم البرزخ ، وان الإنسان الكامل ، وإن كان ممن يحب لقاء اللّه ؛ لكن قد يكون بحيث يكره الموت بحسب الطبع البشري لا بحسب الحقيقة ، فإن الموت تحفة المؤمن ، وإن ريحه له كريح قميص يوسف ليعقوب - عليهما السّلام - . واللّه تعالى يكره كراهته عبده له ، وإن كان لا بد له من ذلك ، كما ورد في الحديث ، والمحقق لا ينظر إلى صورة الموت ؛ بل يكاشف حين شهد الميت ، ولا يتحقق إلا بتجلّي الأسماء الجلالية ؛ كالقهّار ، والقدير ، والمريد ، والمميت ، ونحو ذلك ، ولا ريب ان المحققين قائمون في مقام الهيبة ، والعظمة ، والجلال ؛ لقوة شهودهم ، وإطلاعهم على الحقائق ، كما دلّ عليه قوله تعالى : وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [ الكهف : 18 ] . فإن مجرّد مطالعة أصحاب الكهف من غير كشف الحقائق والسرائر ؛ لا يقتضي الامتلاء بالرعب . ألا ترى أن العوام أثبت عند رؤية الأهوال من الخواص ؛ لأنهم مستغرقون في الحسّ ، ليس لهم اطلاع على المعنى ، ومن ثم كان صلّى اللّه عليه وسلّم يقوم للجنازة ، ويأمر بالقيام عند شهودها ، فإنه قيام لرب العالمين ؛ لظهور سطوته وبطشه من تجلّي الاسم القهّار ، والمميت فلا يقوم من يقوم إلا للمميت دون الميت ، ففي القيام له تهويل للموت ، وتعظيم لرب العالمين ؛ فإنه فيه سر القيامة الكبرى .