محمد بن مرتضى الكاشاني
1576
تفسير المعين
--> فأتاهم إبليس في صورة شيخ . فقال : قد بلغني ما أصبتم به من موت ودّ عظيمكم ، فهل لكم في أن أصوّر لكم على مثال ودّ صورة تستريحون إليها وتأنسون بها ؟ قالوا : افعل . فعمد الخبيث إلى الأيك ، فأذابه حتّى صار مثل الماء ، ثمّ صوّر لهم صورة مثال ودّ في بيته ، فتدافعوا على الصّورة يلثمونها ويضعون خدودهم عليها ويسجدون لها . وأحبّ سواع ان يكون التّعظيم والسّجود له ، فوثب على صورة ودّ فحكّها حتّى لم يدع منها شيئا . فهموا بقتل سواع ، فوعظهم وقال لهم : أقوم لكم بما كان يقوم به ودّ ، وأنا ابنه . فان قتلتموني لم يكن لكم رئيس . فمالوا إلى سواع بالطّاعة والتّعظيم . فلم يلبث سواع ان مات وخلف ابنا يقال له يغوث . فجزعوا على سواع ، فأتاهم إبليس وقال لهم : أنا الّذي صوّرت لكم صورة ودّ ، فهل ان أجعل لكم مثال سواع على وجه لا يستطيع أحد ان يغيّره ؟ قالوا : افعل . فعمد إلى عود فنحته ونصبه لهم في منزل سواع ، وانّما سمي ذلك العود خلافا ، لأنّ إبليس عمل صورة سواع على . . . صورة ودّ . فسجدوا له وعظموه وقالوا ليغوث : ما نأمنك على هذا الصّنم ان تكيده ، كما كاد أبوك مثال ودّ . فوضعوا على البيت حواسا وحجابا . ثمّ كانوا يأتون الصّنم في يوم واحد ويعظّمونه أشدّ ما كانوا يعظّمون سواعا . فلمّا رأى ذلك يغوث ، قتل الحرسة والحجّاب ليلا وجعل الصّنم رميما . فلمّا بلغهم ذلك ، اقبلوا ليقتلوه ، فتوارى منهم إلى أن طلبوه ورأسوه وعظموه . ثمّ مات يغوث ، وخلف ابنا يقال له يعوق . فأتاهم إبليس . فقال : قد بلغني موت يغوث ، وأنا جاعل لكم مثاله في شيء لا يقدر أحد ان يغيّره . قالوا : فافعل . فعمد الخبيث إلى حجر أبيض ، فنقره بالحديد حتّى صوّر لهم مثال يغوث . فعظّموه أشد مما مضى وبنوا عليه بناء من حجر وتبايعوا ان لا يفتحوا باب ذلك البيت إلّا في رأس كلّ سنة . وسميت البيعة يومئذ ، لأنّهم تبايعوا وتعاقدوا عليه . فاشتدّ ذلك على يعوق ، فعمد إلى ربطة وحلق فألقاها في الحائر ، ثمّ رماها بالنار ليلا . فأصبح القوم ، وقد احترق البيت والصّنم والحرس وارفض الصّنم ملقى . فجزعوا وهمّوا بقتل يعوق . فقال لهم : ان قتلتم رئيسكم ، فسدت أموركم ، فكفوا . فلم يلبث ان مات يعوق وخلّف ابنا يقال له نسر . فأتاهم إبليس فقال : بلعني موت عظيمكم فأنا جاعل لكم مثال يعوق في شيء لا يبلى . فقالوا : افعل . فعمد إلى الذّهب وأوقد عليه النّار ، حتّى صار كالماء . وعمل مثالا من الطّين على صورة يعوق . ثمّ افرغ الذّهب فيه ، ثمّ نصبه لهم في ديره . واشتدّ ذلك على نسر ولم يقدر على دخول تلك الدّير . فانحاز عنهم في فرقة قليلة من اخوته ، يعبدون نسرا والآخرون يعبدون الصّنم ، حتّى مات نسر وظهرت نبوة إدريس عليه السّلام . فبلغه حال القوم وانّهم يعبدون جسما على مثال يعوق وانّ نسرا كان يعبد من دون اللّه . فسار إليهم بمن معه ، حتّى نزل مدينة نسر ، وهم فيها . فهزمهم وقتل من قتل وهرب من هرب . فتفرقوا في البلاد وأمر بالصنم ، فحمل والقى في البحر . فاتخذت كلّ فرقة منهم صنما وسموها