السيد نعمة الله الجزائري

96

عقود المرجان في تفسير القرآن

« رَهْبَةً » . مصدر رهب المبنيّ للمفعول . كأنّه قيل : أشدّ مرهوبيّة . فإن قلت : كأنّهم كانوا يرهبون من اللّه حتّى يكون رهبتهم منه أشدّ ! قلت : معناه أنّ رهبتهم في السرّ منكم أشدّ من رهبتهم من اللّه التي يظهرونها لكم . وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من اللّه . ويجوز أن يريد أنّ اليهود يخافونكم في صدورهم أشدّ من خوفهم من اللّه . لأنّهم كانوا قوما أولي بأس ونجدة فكانوا يتشجّعون لهم مع إضمار الخيفة في صدورهم . « لا يَفْقَهُونَ » : لا يعلمون اللّه وعظمته حتّى يخشوه حقّ خشيته . « 1 » [ 14 ] [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 14 ] لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) « لا يُقاتِلُونَكُمْ » معاشر المؤمنين « إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ » ؛ أي : حصينة . يعني أنّهم لا يبرزون لحربكم وإنّما يقاتلونكم متحصّنين بالقرى . « أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ » ؛ أي : يرمونكم من وراء الجدر بالنبل والحجر . ابن كثير وأبو عمرو : « جدار » على التوحيد . « بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ » ؛ أي : عداوة بعضهم لبعض شديدة . يعني أنّهم ليسوا بمتّفقي القلوب . وقيل : معناه : قوّتهم فيما بينهم شديدة . فإذا لاقوكم ، جبنوا وخافوكم من الرعب الذي قذفه اللّه في قلوبهم . « تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً » ؛ أي : مجتمعين في الظاهر « وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى » : مختلفة متفرّقة . خذلهم اللّه باختلاف كلمتهم . وقيل : عنى المنافقين وأهل الكتاب . « لا يَعْقِلُونَ » ما فيه الرشد ممّا فيه الغيّ . « 2 » « قُرىً مُحَصَّنَةٍ » . أي بالخنادق والدروب . « لا يَعْقِلُونَ » أنّ تشتّت القلوب ما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم . « 3 » « بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ » ؛ أي : ليس ذلك لضعفهم وجبنهم ، فإنّهم يشتدّ بأسهم إذ حارب بعضهم بعضا ، بل قذف اللّه في قلوبهم الرعب ولأنّ الشجاع يجبن والعزيز يذلّ إذا حارب اللّه ورسوله . « 4 »

--> ( 1 ) - الكشّاف 4 / 507 . ( 2 ) - مجمع البيان 9 / 396 و 394 . ( 3 ) - الكشّاف 4 / 507 . ( 4 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 482 .